
الحبّ في التربية القرآنيّة
تفصيل المناهج الثلاثة في تربية النفس
يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه. إعداد: الهيئة العلميّة في موقع مدرسة الوحي
الحبّ في التربية القرآنيّة
6في الكافي، عن الصادق (علیه السلام) في إسماعيل النبيّ الذي سمّاه الله سبحانه صادق الوعد، قال علیه السلام: «إنّما سمّي صادق الوعد لأنّه وعد رجلاً في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسمّاه الله عزّ وجلّ صادق الوعد، ثمّ إنّ الرجل أتاه بعد ذلك الوقت فقال له إسماعيل: ما زلت منتظرًا لك». (الحديث).
أقول: و هذا أمر ربّما يحكم العقل العاديّ بكونه منحرفًا عن جادّة الاعتدال مع أنّ الله سبحانه جعله منقبة له علیه السلام حتّى عظّم قدره و رفع ذكره بقوله: ﴿وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ اَلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَ اَلزَّكَاةِ وَ كَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾۱، فليس ذلك إلا أنّ الميزان الذي وزن به هذا العمل غير الميزان الذي بيد العقل العاديّ، فللعقل العاديّ تربية بتدبيره، و للّه سبحانه تربية لأوليائه بتأييده، و كلمة الله هي العليا، و نظائر هذه القضيّة كثيرة مرويّة منقولة عن النبيّ والأئمّة و الأولياء.٢
فإن قلت: كيف يمكن مخالفة الشرع مع العقل في ما للعقل إليه سبيل؟!
قلت: أما حكم العقل في ما له إليه سبيل ففي محلّه، لكنّه يحتاج إلى موضوع يقع عليه حكمه، و قد عرفت في ما تقدّم أنّ أمثال هذه العلوم في المسلك الثالث الذي ذكرناه لا تبقي للعقل موضوعًا يحكم فيه وعليه، و هذا سبيل المعارف الإلهيّة.
و الظاهر أنّ إسماعيل النبيّ علیه السلام كان أطلق القول بوعده بأن قال: أنتظرك هاهنا حتّى تعود إليّ، ثمّ التزم على إطلاق قوله صونًا لنفسه عن نقض العهد و الكذب في الوعد، و حفظًا لما ألقى الله في روعه و أجراه على لسانه، و قد روي نظيره عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): أنه كان عند المسجد الحرام فوعده بعض أصحابه بالرجوع إليه و وعده النبي بانتظاره حتى يرجع فذهب في شأنه و لم يرجع، فانتظره النبي ثلاثة أيام في مكانه الذي وعده حتى مر به الرجل بعد الثلاثة، و هو جالس ينتظر و الرجل قد نسي الوعد. الحديث). ٣
- سورة مريم الآية ٥٥.
- يشار منها على سبيل المثال إلى ما يلي:
ـ موقفي أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين حين فتح الشريعة لجيش معاوية وحين ترك قتل عمرو بن العاص عندما كشف عورته.
ـ موقف الإمام الحسين المشابه لموقف أبيه عليهما السلام حين سقى جيش الحرّ بيده. راجع حول تفصيل هذه المواقف الثلاث: السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني، أسرار الملكوت ج٣ ص ۱۱٥ وما بعدها إلى ص ۱٢۱. وشرح حديث عنوان البصري ج٢٢۸ (نظرة العرفاء إلى واقعة عاشوراء)
ـ موقف أبي الفضل العبّاس حين ترك شرب الماء يوم عاشوراء. راجع حول تفصيل ذلك: شرح حديث عنوان البصري ج ۱٤٢.
ـ موقف مسلم بن عقيل حين أعرض عن قتل ابن زياد في منزل هاني بن عروة. راجع حول ذلك شرح حديث عنوان البصري ج ٢٢۸.
وبصورة عامّة راجع حول دوري العقل والعشق أسرار الملكوت ج٢ ص ٢۰٢ ومقالة العشق الواعي في واقعة كربلاء. (م) - تفسير الميزان، ج۱ ص ٣۸٣.
