بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة سماحة السيد محمد المحسن الطهراني أطال الله عمركم بخير وعافية
نود السؤال عن بعض النصائح التي ينقلونها عن الشيخ بهجت حفظه الله وهي التالي:
قم بهذه الأعمال، ولتكن نيتك شفاء المريض إذا لم يكن موته من الأمور الحتمية:
1. اجعل كمية قليلة من تراب مدفن سيد الشهداء عليه السلام في ماء زمزم، ثم اقرأ عليه سورة الحمد سبعين مرة، وأعطه للمريض ليتناول منه كل يوم في أوقات متعددة، حتى يشفى.
2. أعطوا الصدقة لفقراء متعددين، وإن كان مقدار الصدقة لكل واحد منهما قليلاً.
3. اقرؤوا سورة الحمد سبع مرات في كل يوم بنية شفاء المريض.
4. ليقرأ كل من يذهب لعيادة المريض سورة الحمد لشفائه.
5. اذهبوا بالمريض إلى المشاهد مراقد المعصومين عليهم السلام وإذا لم يتمكن فليتوجه المريض بقلبه إلى ذلك المشهد وليزر صاحب ذلك المشهد، ويكفي ذهابه إلى ذلك المزار بنية الشفاء.
6. اقرؤوا مصائب أهل البيت عليهم السلام عند المريض بحيث يتأثر وينقلب حاله.
7. اقرؤوا حديث الكساء بصورة مكررة للشفاء وأوقدوا العود في المجلس الذي يقرأ فيه هذا الحديث.
8. اذبحوا شاة وأعطوا لحمها إلى الفقراء نذراً.
9. يصلي المريض بعد صلاة الصبح ركعتي صلاة الحاجة، وليقل بعد ذلك ثلاث مرات : [ اللهم اشفني بشفائك وداوني بدوائك وعافني بعافيتك من بلائك فإني عبدك وابن عبدك ]. ثم ليقل أيضاً مرة واحدة : [ بحرمة الإمام الكاظم عليه السلام ].
إن سماحة الأستاذ دام ظله يرشد لعلاج الأمراض بالطريقة الأولى المذكورة أعلاه، وهذه وصيته في أغلب الأحيان ( حتى بدون قراءة سورة الحمد سبعين مرة )، ولكن إذا كانت وضعية المريض صعبة جداً، فإنه يضيف بعض المواد الأخرى، والمورد التاسع أوصاه إلى مريض جداً.
فما رأيكم سيدنا الكريم بهذا المنهج وهذه الأمور، وهل إلقاء هذه التعاليم على عوام الناس متناسب مع منهج اهل البيت عليهم السلام؟
فنحن نجد أن العديد من الأذكار والأوراد موجودة في كتب الروايات ومطاوي كتب القدماء، ولكن هل كانت منتسرة بهذا الشكل؟
ثالثا: هل الاعتماد على ذلك مخالف للتوكل على الله؟
رابعا: هل كان والدكم رحمه الله والسيد هاشم الحداد والسيد علي القاضي رضوان الله عليهم أجمعين يقومون بإعطاء أمثال هذه الدساتير لعوام الناس بهذا الشكل؟
دمتم في حفظ الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هو العليم أنا لم أرَ ذلك الدستور من الأولياء ولكن لا بأس في العمل بذلك لمن يرى أنّه بحاجة إليه، واللازم التوكل على الله والعلم أنّ الشفاء بيده .
جاء في كتاب "عطش" أنّ المرحوم القاضي توفي بسبب مرض العطاش، ونقل أن هذا المرض هو الذي ابتلي به معاوية، فهل هذا التشابه يعتبر منقصة في منهج المرحوم القاضي وطريقته؟ وإن كان الجواب أنه ليس بمنقصة فما الدليل على ذلك؟ شكراً
مرض العطاش كسائر الأمراض هو نتيجة لأسباب وعوامل بيئية في حياة الإنسان، ولا فرق بين أن يُبتلى به المؤمن أو الكافر، ومنشأ هذا المرض هو اختلال في الكبد، أما مرض معاوية فقد كان مرضا آخر، لقد ابتلي معاوية بالجوع، أي أنه لم يكن يشبع من الأكل أبداً لا أنه كان مبتلى بهذا المرض. ولو فرضنا أنّ معاوية كان مبتلى بهذا المرض أيضاً فلا علاقة لهذا بالسؤال؛ لأن هذا المرض لم يكن مختصاً بمعاوية حتى يكون الابتلاء به منقصة للمريض الذي يبتلى به، إنما هو مرض عام ابتلي به معاوية أيضاً ـ لو فرض صحة ذلك ـ مثل باقي أنواع الأمراض التي يبتلى بها جميع الناس.
أورد المرحوم العلامة الطهراني (رضوان الله تعالی علیه) في الکتاب الشریف الروح المجرد في معرض ذکره لألقاب السید علي القاضي أنه: العارف یالله و بأمر الله، نرجو منکم أن توضحوا لنا معنی هاتین العبارتین؟
یقال: العارف و العالم بالله للشخص الذي وصل لمرتبة المعرفة الشهودیة لذات الحق المقدسة في المراتب الثلاث الفعل و الصفة و الاسم، و حینئذ لن یبقی له من ناحية فناء ذاته في ذات الله أي تعین و استقلال، فوجوده وجود الحق تعالی و صفاته و أعماله کلها جمیعاً منبعثة عنه تعالى، وفي هذه الحالة سیکون مقايسة هذا الشخص علی سائر أفراد البشر في ـ أي مرتبة من مراتب الکمال ـ خاطئا وقياسا مع الفارق، لأنّ وجوده وحقیقته البشریة تبدلت إلى وجود و حقیقة الحق تعالی، حتى مع كونه مازال متلبساً بلباس البشر. و أما العالم بأمر الله فإنّه يطلق على الذي وصل عن طریق إنفاق العمر و المجاهدة في سبیل تحصیل الآداب و المباني الشرعیة إلی مرحلة و مرتبة الاجتهاد؛ مثل هذا الفرد الذي وصل في العلوم الإسلامیة کالحکمة و الفلسفة المتعالیة والعرفان النظري، التفسیر، التاریخ، الفقه و الأصول إلی الاجتهاد المطلق، سیکون عالماً بالأمر و النهي الإلهي في مقام الحکم و الفتوی، و بلا أدنی شک فإنّ الذي لم تُعطّر مشامُّ روحه بالنفحات القدسیة لعالم القدس، و لم تُشرق بوارق الجلال و الجمال الإلهي علی قلبه، ولم یکن له حظ من مواهب و ألطاف أولیاء الله الخاصة، لن یعصمه أيّ جانب من هذه العلوم المتعارفة. مثل هذا الفرد الجامع بین المرتبتین و الحائز للمرحلتین یدعی بالعالم بالله و بأمر الله من أمثال: المرحوم بحر العلوم، العلامة القاضي الطباطبائي، العلامة الطباطبائي و العلامة الطهراني قدس الله أسرارهم.
هل نحن مجازون بالعمل بالدساتير الموجودة في كتاب السير و السلوك المنسوب لبحر العلوم ؟
ديدن العلماء العظام أنّهم ينيطون القيام بالدساتير والبرامج السلوكية بإجازة و إشراف الفرد الخبير والمطّلع على الطريق و على المصالح و المفاسد التي ستعترض السالك. وبناءً على ذلك ينقل عن المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه، أنّ العمل بدستورات الكتاب المذكور يحتاج إلى إجازة أيضاً.
توقفت منذ مدة عن الالتزام بالأذكار بسبب ازدياد مشاكل الحياة، أي أنّي لم أقم بها في بعض الأوقات، فما هو تكليفي الآن؟ ماذا يجب عليّ أن أصنع؟ وكيف أعوّض عما فات؟
يجب أن لا تكون مشاكل الحياة مانعاً عن ذكر الله؛ فلطالما طوى العظماء هذا الطريق مع المشاكل، والدنيا بدون مشاكل وبدون إقبال وإدبار لا معنى لها. ومن الآن فصاعداً ابذل ما في وسعك للقيام بوظائفك وتكاليفك.
هل يلزم الإتيان بذكر اليونسية في حالة السجود، أو أنه يمكن الإتيان بها في أيّ حال؟
الذي يشترط في ذكر اليونسية هو الإتيان بها في حالة السجود، وإذا كان ذلك متعسراً لبعض الأفراد أو متعذراً، فبالإمكان أن يتخيّل نفسه أنه في حالة السجود، ويقوم بها في غير حالة السجود مثل الحركة والجلوس وغيرها.
هل يحتاج القيام بصلاة النوافل الليلية والنهارية إلى أمر خاص؟ وإلى أي مقدار يمكننا قراءة القرآن خلال اليوم و اللیلة؟
لا.. لا حاجة في هذا المورد إلى أمر خاص. فالأولياء والمربون في السير والسلوك يرون ـ عادة ـ أن قراءة القرآن یجب أن تکون بمقدار حزب واحد يومياً على الأقل.
إنّي ولفترة متواصلة أرى في كلّ ليلة زلزالا شديدًا في الحلم، وفي كل مرة يموت الجميع ما عداي، أرجو أن تفسروا لي هذه الرؤية؟
تعبير الرؤيا وتفسير الأحلام من المسائل المعقدة والصعبة جدًا، والأشخاص اللذين يتمكنون من الاطلاع على جميع رموزها وزواياها قليلون، وسبب ذلك صعوبة ارتباط النفس الإنسانية مع عالم المثال، إذ أنّ شرط هذا الارتباط هو انقطاع تعلّق النفس بعالم المادة. وهناك طريقان لبلوغ ذلك، أحدهما: الرؤيا، والثاني: المكاشفة، حيث يمكن بواسطة المكاشفة ملامسة هذا العالم أيضا، وهو ما يعبّر عنه بالمثال المنفصل. ففي عالم المثال توجد الصور المثالية للأشياء التي يقدّر لها أن تتحقّق في الخارج، موجود نحو ثابت فيه، ولكن مضافاً إلى ذلك، فهناك الصور الخيالية والوهمية لدى الإنسان، وهو ما يعبّر عنه بالمثال المتصل. ومن ذلك تبرز المشكلة في عملية تعبير الرؤيا وتفسير المكاشفة. وذلك لأنّ معرفة انطباق الصورة التي يراها الإنسان في الرؤيا أو المكاشفة وعدمه، مع الخصوصيات النفسانية الخاصة للإنسان أي المثال المتصل، هي في غاية الصعوبة، فليس من السهل أبدا تحديد ما هو منطبق منها مع الواقع، أو تحديد دائرة الصورة المتولّدة من الوهم والاعتبارات النفسية الشخصية، ولا يتسنّى لأيّ فرد أن يميّز ويشخّص بين هذه الأمور، وعادة فإنّ الأفراد يقدمون على التفسير والتعبير للرؤيا رجما بالغيب وبدون ملاحظة هذه المسائل. لذلك فإنّ العلماء يقولون: لا تبيّنوا معنى الرؤيا لأي شخص، وكل تفسير وتعبير يراد طرحه ينبغي أن يلاحظ فيه الخصوصيات الروحية للشخص مضافا إلى كيفية الرؤيا، فإنّ لجميع ذلك دورا أساسيا في تفسير الرؤيا، كذلك الأمر بالنسبة لحالة الإنسان وكذلك تأثير خيالاته.
لقد قام هذا العبد بالتفاؤل بالقرآن، و ذلك من أجل رفع القليل من الحيرة التي تنتابني فيما يتعلق اتجاه تحديد موقفي من أحد العلماء الكبار، وذلك بالطبع من أجل إخلاص النية، فكانت النتيجة هي الصفة 223 (سورة هود)، فهل يمكنني الاعتماد عليها؟
إن المعيار والملاك في قبول أي مقولة و عقيدة هو العلم المبني على أساس الأصول والطرق العقلية و الشرعية الموصلة لذلك، و لا يكفي التفاؤل و الاستخارة و ما شابهها من الأمور المتداولة بين العوام، لتكون حجة شرعية في تبعيّة أو قبول كلام شخص ما.
كيف يستطيع ولي الله أن يشخّص الأمور؟
لقد تمّ توضيح هذا المطلب في المجلّد الثاني من كتاب أسرار الملكوت.
بسم الله الرحمن الرحيم، لقد قال العلامة الطهراني رضوان الله عليه في كتاب الروح المجرد الصفحة 196(وذلك في النسخة الفارسية أما في النسخة العربية ففي صفحة 206 (المترجم) )، وذلك بعد إثبات ولاية جناب السيد هاشم الموسوي الحداد رضوان الله تعالى عليه: إن فعل أولياء الله حجة.
و لقد تبادر إلى ذهني عدة أسئلة تتعلق بهذا الأمر، أرجو منكم أن تجيبوا عليها:
1 ـ ما العلاقة بين مقام الولاية وبين مقام الإمامة، وهل يمكن لغير الأئمة المعصومين عليهم السلام أن يكون لديه هذا المقام؟
2 ـ هل من الممكن أن يصدر عن شخص الولي أي خطأ من الأخطاء، بعد أن وصل إلى هذا المقام؟
3 ـ هل كان هؤلاء الأشخاص الذين يطلق عليهم أولياء الله موجودين أيضاً، في زمن الأئمة المعصومين عليهم السلام، وكيف كانت علاقة ولايتهم بالناس، وبشخص الإمام المعصوم عليه السلام؟
4 ـ ما هي الطريقة التي يمكن من خلالها تشخيص هكذا إنسان؟
السلام عليكم.. أنا ليس لديّ أيّ حضور قلبي أصلاً في صلاتي، وقد جرّبت كلّ الطرق، ولكن بلا فائدة، وبقي فكري مشغولاً. و أعتقد أنّ الله قد أخذ مني لذة الصلاة، فهل يمكن لكم أن تساعدوني في هذا الأمر؟
إنّ حضور القلب في الصلاة عبارة عن نفي الخواطر، و تخلية الذهن، لينتج عن ذلك حضور نور الله عز وجل، و الإحساس بالقرب منه و بمجالسته، و التحدّث معه، ولأجل هذا الأمر يجب أن تراعى عدة مسائل: أولاً: على الإنسان وبقدر استطاعته أن لا يشغل ذهنه على امتداد يومه بالأخبار الغير المفيدة، مثل الكثير من مواضيع الصحف و المجلات ووسائل الاتصالات العامة الشائعة، وعليه أن يستفيد فقط من المواضيع المفيدة و العلميّة. (إنّ رعاية هذه النقطة لها أهمية غير عادية). ثانياً: بالنسبة لوقت الصلاة، عليه أن يختار أوقات الفضيلة لكلّ صلاة، وعليه أن يصلي في أوّل وقت الفضيلة لكلّ صلاة، لا قبلها ولا بعدها. وأن يعيَّن مكاناً خاصاً للصلاة، لا يكون فيه أيّ صوت أو إزعاج، ولا شيء آخر يوجب تشتّت ذهن الإنسان و حواسه. ثالثاً: عليه أن يجلس على سجّادته قبل الصلاة لفترة معينة، وأن يبقى في حالة السكوت لعدة دقائق، فلا يقوم حتى بأيّ ذكر ، وعليه في وقت الصلاة أن يفترض أنّ الله أمامه، مثلما يتحدث مع أي فرد خارجي. رابعاً: عليه أن يدرك معاني الألفاظ و العبارات الموجودة في الصلاة بشكل جيد، وحينما يُخرج تلك الجمل على لسانه عليه واقعاً أن يجعل نفسه في روح تلك المعاني و المفاهيم، و عليه أن يخاطب الله بتلك الكلمات بشكل حقيقي و واقعي، لا أن يؤدّي تلك الجمل و العبارات الواردة فقط. ( رعاية هذا الأمر لها أثر حياتي و جذري في توجّه الإنسان نحو الله وحضور قلبه). خامساً: المطالعة في كتاب أنوار الملكوت لحضرة العلامة الطهراني القسم المتعلق بملكوت الصلاة. إن شاء الله تكونوا موفقين.
بسم الله الرحمن الرحيم ما هو العمل الذي يزيد ويحسن استعداداتنا؟
إنّ استعداد كلّ شخص هو تلك الكيفيّة التي خلق عليها، والتي شُرفَ فيها بكونه خليفة الله، وكل شخص عنده استعداد للوصول إلى مقام ذات الحقّ من خلال السلوك والمجاهدة والرياضات الشرعية. والاستعداد موجود عند كلّ شخص ولكن بعضهم يستفيد من هذه الفرصة ويقوم بتربية نفسهم، و يعمدون إلى تزكيتها، ولكن الكثير من الناس يغفلون عن هذا الأمر، فيساذجون الأمور، ويتعاملون معها بشكل تافه، وكثيرا ما يواجهون أولئك الأشخاص بالاستهزاء والسخرية، ويستصغرون أهل المعرفة، فهؤلاء الأشخاص قد أهدروا رأس مالهم الوجودي بأيديهم.. والله تعالى لا يغلق هذا الباب النفيس والثمين ـ الذي أودعه في وجود كل إنسان ـ على كلا الفريقين.
معذرة.. قد قيل لنا إذا كنت في حالة الصمت فتوجه لنفسك، فهلاّ تتفضلون علينا بتوضيح معنى التوجه للنفس؟
في البداية يكون معنى التوجه إلى النفس هو تجريد الذهن وتخليته عن جميع الخواطر والتخيلات، و بعد فترة من الزمان يستطيع الإنسان الحصول علی قدرة التحکم في ذهنه، و بالطبع توجد كذلك مراتب أخرى بعد هذه المرحلة.
هل كل من ((السير)) و ((السلوك)) مصطلح واحد خاص، أم أن لـ ((السير)) معنى و لـ((السلوك)) معنىً آخر؟
لا، كلاهما بمعنى الحركة و طي طريق الله .{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ}، فالسير إلى الله و السلوك إلى الله كلاهما بمعنى واحد.
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك.. ما هي النية؟ وما معنى النية الخالصة؟ وماذا يتوجّب علينا فعله لتحصيل هذا الخلوص؟
النية عبارة عن قصد الإنسان للقيام بعمل ما، سواء كان ذلك العمل حلالاً ومرضياً عنه أم حراماً ومنهياً عنه. فالذي يعمل لتحصيل رضا الله والتقرب إليه عليه أن يُخرجَ من قلبه وضميره كلّ ما سوى الله، وأن يخلّي قلبه لله وحده، وهو ما يسمّونه بالنية الخالصة والصادقة. ويحتاج الإنسان في تحصيل هذه الرتبة إلى المراقبة ومجاهدة النفس بالرياضات الشرعية، فإذا احتمل الإنسان أن يصدر العمل منه لغير وجه الله، فعليه أن يضع نفسه في موضع معيّن وظرفيّة خاصّة، بحيث لا تعود نفسه قادرة ـ عادة ـ على القيام بالعمل لغير وجه الله، مثلاً: إذا أراد الإنسان أن يقدّم خدمة ومساعدة في أمر مّا أو مشروع معيّن، فبمجرد أن يحتمل توجّه أنظار الناس إليه، أو التفات إنسان خاصّ إلى عمله، فيمكنه أن يقدّم مساعدته بنحو لا يحتمل أحدٌ أنّه هو الشخص المساعد، وهكذا في باقي الموارد.
حينما يقوم الإنسان بأعماله يرى نفسه غير مخلص، ويتبين له أنّ العمل الذي قام به كان بدوافع نفسانية، والحال أنّه كان حين شروعه بالعمل أو بأي دستور سلوكي غير ملتفت لذلك، وهو ما قد يؤدي إلى أن يترك العمل من أصله.. فما هو تكليفي حينئذ؟
للإخلاص مراتب مختلفة، وهي مرتبطة بميزان اطلاع الإنسان على أسرار النفس وخباياها، والحال أنّ استعداد النفس بالنسبة لتطبيق ذلك متفاوت، ومن الواضح أنّه كلما أصبح ميزان الإنسان في معلوماته أو سيره وحركته أكثر دقّة، فسوف ينعكس ذلك على دقة إخلاصه ورقّته وشدّته. لذلك يجب على الإنسان أن يسلّم أموره لله، ويطلب التوفيق والسداد منه تعالى فقط لا غير، ولا ينسب أعمال الخير لنفسه أبداً، ويشعر أنه مدين للحضرة الإلهية دائما لا أنّه طالب ومستحقّ، وألا يلتفت إلى وساوس الشيطان في مثل هذه الحالات، لأنه كثيرا ما يريد بهذه الوساوس سلب التوفيق عن القيام بأعمال الخير والعبادات.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.. حينما بدأت بمراقبة النفس حصل عندي كدورة شديدة، فما الذي ينبغي عمله في هذه الحالة؟
إن مراقبة النفس هي دستور أساسي عند الأولياء الإلهيين وهي العمدة في تربية و تزكية السالكين إلى الحق. و هي ليست شيئاً غير اجتناب المعاصي، و المراقبة المستمرّة للخاطرات الشيطانية، و مراعاة الرضا الإلهي. و هذا الأمر لا يُوجب الانقباض والتكدّر، إلاّ إذا كنتم قد اتخذتم طريقةً خاصة في المراقبة في الماضي.. فحكم ذلك على حدة.
كان الحقير في ما سبق قد استمع إلى تسجيلات مجالس شرح حديث عنوان البصري، وكنت ألخّص كلّ مجلس في صفحة واحدة، ولكن حيث أنه لا يمكن نقل عين العبارة حرفياً، وأنه من الممكن أن يستفاد لاحقاً من هذه الخلاصات، سواء من قبلي أو من قبل الآخرين... ولمّا كان هناك تأكيد على النقل الحرفي لكلام العظام من العلماء توقفت عن القيام بالتلخيص. والآن أرجو منكم أن ترشدوا هذا الحقير: هل استأنف هذا العمل أم أغض الطرف حتى عن الخلاصات السابقة؟ وكذلك كنت أقوم بتلخيص كتب العلامة الطهراني رضوان الله تعالى عليه، لأن العبارات ليست كلها داخلة في الخلاصة، فهل ترون أنّ: تلخيص كتاب إلى خمس صفحات مثلاً هو عمل مفيد؟
فيما يتعلق بكتب المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه، من الأفضل أن تطالعوا كل درس عدة مرات، و بعدها تقومون بكتابة تلخيصكم على الورقة في بضعة أسطر. وهذا الأمر نفسه يصدق أيضاً على التسجيلات.
أنا طالب جامعي في السنة الأولى في قسم الهندسة الكهربائية. أود أن أسألكم: هل تحتاج مطالعة كتب العلامة الطهراني رضوان الله عليه إلى إذن خاص من قبل الأستاذ؟ وإذا كانت لا تحتاج فهل يجب أن تسير المطالعة ضمن ترتيب خاص؟
كلا لا تحتاج إلى دستور خاص، كما لا ضرورة لترتيب معين.
بسم الله.. بعد التحية والسلام، هل يمكن الاعتماد على كتاب المراقبات للميرزا جواد آقا الملكي التبريزي، من الناحية العلمية؟
نعم
بسم الله الرحمن الرحيم بناء على أنّ العلامة الطباطبائي لم يكن معتقداً بالفناء في الذات في بادئ الأمر، وإنّما ثبت عنده هذا الأمر بواسطة العلامة الطهراني، أي إنّ هذه القناعة و العقيدة قد حصلت له في وقت لم يكن لديه أستاذ، فحيث أنّ الفناء لا يحصل للإنسان إلا بواسطة وجود أستاذ كامل، فكيف استطاع العلامة الطباطبائي بلوغ مرحلة الفناء والحال أن أستاذه السيد القاضي كان متوفى؟
هناك نكات عدة ترتبط بهذا السؤال لا بدّ من الإطلاع عليها: أولاً: إنّ المسألة التي وقعت مورداً للبحث بين المرحوم العلامة الطباطبائي والمرحوم العلامة الطهراني، كانت تدور حول إمكانيّة تحقّق الفناء الذاتي، وانعدام النفس الإنسانية واضمحلالها بشكل تام، واندكاكها في الذات الأحديّة. ولم يكن المرحوم العلامة الطباطبائي واصلا إلى هذه المرتبة في مقام الثبوت، لذلك أنكر هذه المسألة في مقام الإثبات.. وأمّا المرحوم العلامة الطهراني: فبالنسبة لمقام الثبوت فالله هو الأعلم، وأمّا في مقام الإثبات فإنّه كان يبين المسألة ويثبت إمكانيّة حصول هذه المرتبة للسالك. إذن فإنّ البحث الذي كان بينهما هو مجرد بحث علمي، واقتناع العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه وقبوله واعتقاده بإمكانيّة بلوغ هذه الرتبة، ليس له أي ارتباط بسلوكه العملي في ذاك الزمان. إذ من الممكن أن يكون الإنسان معتقداً بمطلب معيّن، إلا أنّه لم يتحقّق به ولم يصل إليه. ثانياً: إن كيفية سير السالك وحركته تحت إشراف الأستاذ تختلف من حالة إلى أخرى، ففي بعض الحالات تقتضي كيفية السير أن يعبر السالك من مرتبة التعيُّن والتشخُّص بواسطة نفس الولي الحيّ، حتى يبلغ مرحلة الإطلاق وتَمَحُّض الذات، والتي هي عبارة عن الفناء الذاتي. ففي هذه الحالة لا بدّ من الحضور الخارجي للأستاذ الكامل، وبدونه لا يمكن حصول هذه الحركة، ولا يمكن أن يتحقّق هذا المسير. ولكن في بعض الحالات يقتضي السير والسلوك تحت إشراف الأستاذ الكامل، أن يتابع السالك سيره بشكل منفرد، ويطوي المراحل والمنازل بواسطة المراقبة والذكر والتفكر، كل ذلك بواسطة الاستمداد من الولي الحيّ حضرة بقية الله أرواحنا فداه، فيستمر السالك بنفسه في السير والسلوك، وبلغ مقام الذات الأحدية ويصل إلى مرتبة الفناء الذاتي، ويحرر نفسه من عالم التعيًّنات. وكما لا يخفى فإنّ لوجود الإمام الحي عليه السلام التأثير الأساسي والمحوريّ في تعيين وتحديد كلا الطريقين وحركته فيهما. وكثير من الأولياء الإلهيين قد أدركوا مقام الفناء الذاتي بواسطة هذا الطريق، كما أنّ المرحوم العلامة الطهراني قدس الله سره، كان ينقل حصول ذلك للمرحوم الحاج السيد هاشم الحداد رضوان الله عليه، وكان يضيف أنّ بعض أساتيذ العرفان والأولياء الإلهيين يقومون بزرع بذرة السلوك والسير إلى الله في نفس السالك، فتستقرّ في أعماق سرّه وضميره، وبعد ذلك لا تعود حركة السالك ومجاهداته معقّدة وصعبة، وإنّ طريقة تربية المرحوم القاضي لتلامذته كانت بهذه الكيفيّة. وأنّه كان يلمّح إلى ذلك في بعض الأحيان، ويكشف عن طريقته هذه بالكناية. نعم لابد من الالتفات إلى أنّ هذا الأسلوب وهذه الطريقة ليست حتميّة لكلّ تلميذ كان يتشرف بالتتلمذ على يديه، فانتخاب هذه الطريقة وتحديدها للسالك منوطة فقط وفقط بيد الأستاذ. فبناء على ذلك، فأيّ مانع من أن يكون المرحوم العلامة الطباطبائي مشمولاً لهذا القسم من التربية والتكامل والسير؟! فيكون قد نال هذه الرتبة في آخر عمره ولبس كسوة التجرد والفناء بعد ارتحال أستاذه المرحوم القاضي. ثالثاً: إنّ الله المتعالي هو مسبّب الأسباب، وإليه يرجع الأمر كله، وهو على كلّ شيء قدير، وهو المؤيد والموفق، فمن الممكن أن يصل السالك إلى هذا المقام بواسطة جذبة خاصّة وضمن ظروف خاصّة، أو بواسطة نفس أحد الأولياء الكمّل (حتى وإن لم يكن هو الأستاذ الظاهري لذلك السالك) فيتحقق منه ذلك السير و العبور.
يسمع من أفواه العلماء وأهل المنبر و... وبشكل دائم، أنّ الأشخاص الذين توسّلوا بالأئمة أو طلبوا من أولياء الله بلوغ المقامات العالية، قد وصلوا إليها وأحرزوها، بل قد يفهم من كلمات العلماء العظام ـ وكذلك من رواية النبي الأكرم حيث ينقل عنه بالمعنى: ليت هذا الأعرابي يكون ذكيا فطنا مثل تلك العجوز من بني إسرائيل، فحينما قلت له ماذا تريد؟ فبدلا من أن يتمنى ويطلب خروفا.. ليته طلب أن يكون معي في الآخرة ـ كذلك ما يستفاد من الأدعية، حيث أنّ مضامينها تزرع الأمل في قلوب جميع الناس، وتشوقهم ليطلبوا هذه المقامات من الله وذلك حسب الطاقة والاستعداد الذي أعطاهم الله إياه. والسؤال هو: كيف ينبغي أن يكون الدعاء وهذا الطلب بحيث يكون مقبولا ومستجابا؟ حيث أنّ جميع الناس يتمنون ذلك ويرغبون به، ويدعون ويطلبون وبشكل مستمر ودائم، إلا أنّه لا يستجاب لأحد، كما وأنّ ما حصل ما الأعرابي ليس متيسّرا للجميع، حيث ليس من السهل أن يتيسر لنا ما حصل لذاك الأعرابي، من حمل زنبيل رسول الله وإيصاله إلى المنزل، وبعد يقال لنا: اطلب ما تشاء، لنقوم بالدعاء والطلب، والرسول يقبل ويستجيب.. كل ذلك فضلا عن أنّنا لا يمتلك جميعنا هذه الجرأة على فعل ذلك.. بناء عليه كيف ينبغي أن يكون الطلب والدعاء، بحيث يقع موردا للقبول والاستجابة؟
{إنّما الأعمال بالنيات} وكما يقول الشاعر: فالدعاء يعني الطلب، وحينما لا يكون الطلب حقيقيا وواقعيا، فسوف لا يكون دعاء واقعا، لذلك ينبغي أن يكون للإنسان حال الدعاء وموقعية الطلب الحقيقية في نفسه، لذلك ينبغي للإنسان أن تكون نيته اتجاه ما يطلبه صافية وأكيدة وواضحة، ولا يكون في قلبه شيء من التشويش والغش والتلاعب، وينبغي أن يدعوا بشكل مجدّ وحثيث وأكيد، حينئذ سوف يستجيب الله له ويعطيه سؤله. وأخيرا هناك كتابان للمرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه، فيما يتعلّق بالمسجد والدعاء قد انتشرا مؤخرا باسم "أنوار الملكوت" فمن الجيد أن تطالعوهما.
هل يمكن لشيعة الإمام علي أن يصلوا إلى مقام أعلى من مقام الأنبياء الإلهيين؟ (أرجوا أن تبينوا الأدلة العلمية على ذلك).
إنّ مقام النبوة والرسالة يعني الارتباط بعالم الملكوت، و استفاضة الصور العلميّة و الحقائق و المعاني الكلية من الوسائط التي تحمل الأسرار؛ والتي هي عبارة عن الملائكة المقربين، و النفوس القدسية، والتي يعبِّر عنها الفلاسفة بالعقول المنفصلة. وكلّ نبيّ من الأنبياء يمتلك رتبة خاصة في إدراك هذه المعاني، بحيث لا يستطيع أن يدرك أو يستفيض ما هو أعلى منها. ولكن بالطبع، فإنّ جميع مدركاتهم التي يحوزونها في تلك المرحلة صحيحة و منطبقة على الواقع. و القرآن الكريم يقول: {تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض}، و بسبب هذا التفضيل يمتلك بعضهم كتاباً، وبعضهم الآخر لا يمتلك كتاباً، و يختلفون من ناحية دائرة تبليغهم و إرشادهم كذلك. فلا شك أنّ الحقائق التي أدركها حضرة النبي إبراهيم في عوالم التوحيد لم يدركها سائر الأنبياء، ومن باب المثال؛ إنّ الاشتباه و الخطأ الذي قام به حضرة النبي داوود في عالم المثال حين ظهر و تمثّل له المَلكان، يحكي عن عدم بلوغه مرحلة الفعلية في تلك الرتبة من مراحل تجرّده. ولكن بالطبع جميع الأنبياء في عالم الظاهر، وفي ارتباطهم بالناس، منزهين عن جميع الأخطاء. هذه المسألة تعني أنّ الارتباط بالملكوت عن طريق الإلهام، جارية و سارية لغير الأنبياء أيضاً، ومع أنّ الوحي قد انتهى إلا أن إدراك أسرار الغيب ميسَّر لجميع الأفراد. ولدينا من الناحية النقلية، روايات وردت في ذلك عن طريق النبي كقوله صلى الله عليه وآله: (إنّ لله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون). وكذلك: (إنّ في أمتي محدّثين متكلمين). أو ما ورد أيضاً: ( إنّ من حفظ القرآن قد ادرجت النبوة بين جنبيه)، أو ( علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل)، أو تلك الروايات التي تتكلم حول بعض من الأصحاب، مثل سلمان، و جابر بن يزيد الجعفي، أو غيرهم.
