انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (1)

نقد الحضارة الغربيّة

0
الجلسات

لماذا تبدو الحضارة الغربيّة مستديمة بينما لم يستمرّ النظام الاجتماعيّ الإسلاميّ طويلاً في فجر التاريخ؟ هل يُعدّ تباين الدين مع أوضاع العصر الحاضر دليلاً على فشله؟ وما الفارق الجوهريّ بين مجتمع يجعل غايته اتّباع الحقّ، ومجتمع يبني قوانينه على أهواء الأكثريّة والتمتّع المادّيّ؟ وإلى ماذا يؤول اتّباع الأهواء قرآنيًّا؟ قراءة نقديّة عميقة لأسس الحضارة الغربيّة، وإثبات لقابليّة التشريع الإسلاميّ للتطبيق والاستمرار، يعالجها العارف والمفكّر والمفسّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱)

4
  • و قد قام رسول الله صلّى الله عليه وآله بالدعوة و لم يكن معه من يستظهر به يومئذ إلا رجل و امرأة ثمّ لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد، و اليوم يوم العسرة كلّ العسرة، حتّى أتاهم نصر الله فتشكّلوا مجتمعًا صالحًا ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح و التقوى، و مكثوا برهة على الصلاح الاجتماعيّ حتّى كان من أمر الفتن بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ما كان. 

  • و هذا الأنموذج اليسير على قصر عمره و ضيق نطاقه لم يلبث حتّى انبسط في أقلّ من نصف قرن على مشارق الأرض و مغاربها، و حوّل التاريخ تحويلاً جوهريًّا يشاهد آثاره الهامّة إلى يومنا و ستدوم ثمّ تدوم. 

  • و لا تستطيع أن تستنكف الأبحاث الاجتماعيّة و النفسيّة في التاريخ النظريّ عن الاعتراف بأنّ المنشأ القريب و العامل التامّ للتحوّل المعاصر المشهود في الدنيا هو ظهور السنّة الإسلاميّة وطلوعها. و لم يهمل جلّ الباحثين من أوربا استيفاء البحث عن تأثيرها في جامعة الإنسان إلا لعصبيّة دينيّة أو علل سياسيّة، و كيف يسع لباحث خبير لو أنصف النظر أن يسمّي النهضة المدنيّة الحديثة نهضة مسيحيّة ويعدّ المسيح (عليه السلام) قائدها و حامل لوائها و المسيح يصرّح‌۱ بأنّه إنّما يهتمّ بأمر الروح و لا يشتغل بأمر الجسم، و لا يتعرّض لشأن الدولة و السياسة؟ و هو ذا الإسلام يدعو إلى الاجتماع والتآلف، و يتصرّف في جميع شؤون المجتمع الإنسانيّ و أفراده من غير استثناء، فهل هذا الصفح و الإغماض منهم إلا لإطفاء نور الإسلام ﴿وَ يَأْبَى اَللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وإخماد ناره عن القلوب بغيًا و عدوًا حتى يعود جنسيّة لا أثر لها إلا أثر الأنسال المنشعبة. 

  • و بالجملة قد أثبت الإسلام صلوحه لهداية الناس إلى سعادتهم و طيب حياتهم، و ما هذا شأنه لا يسمّى فرضيّة غير قابلة الانطباق على الحياة الإنسانيّة، و لا مأيوسًا من ولاية أمر الدنيا يومًا ـ مع كون مقصده سعادة الإنسان الحقيقيّة ـ و قد تقدّم في تفسير قوله: ﴿كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾٢ أنّ البحث العميق في أحوال الموجودات الكونيّة يؤدّي إلى أنّ النوع الإنسانيّ سيبلغ غايته و ينال بغيتَه و هي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا و تولّيه التامّ أمر المجتمع الإنسانيّ، و قد وعده الله تعالى طبق هذه النظريّة في كتابه العزيز قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾٣ و قال: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‌َ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (الآية)٤ و قال: ﴿أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ﴾٥، إلى غير ذلك من الآيات.٦ 

    1. راجع الجزء الثالث في تفسير آية ٧٩ ـ ٨٠ من سورة آل عمران، ص ٣۱٦. والبحوث المنتخبة حول: المسيحيّة وتاريخها في موقع مدرسة الوحي.
    2. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
    3. سورة المائدة، الآية ٥٤.
    4. سورة النور، الآية ٥٥.
    5. سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
    6.  انظر: تفسير الميزان ج٢ ص ۱٣۰. والبحث المنتخب تحت عنوان: سبع حقائق حول الدين والمجتمع.