تفسير الميزان ج۳
317كلم الناس في أمره و سألهم و استوضحهم علت أصواتهم و تنادوا: «هو كافر»، «هو ملحد»، «هو خائن» فلم ينته الأمر إلى طائل.
حتى استقر رأي فيلاطوس أن يكلم عيسى بنفسه فأشخصه و كلمه و سأله عما يقصده بما يبلغه من الدين فأجابه عيسى أنه لا يهتم بأمر الحكومة و السياسة و لا له في ذلك غرض و أنه يهتم بالحياة الروحانية أكثر مما يهتم بأمر الحياة الجسمانية و أنه يعتقد أن الإنسان يجب أن يحسن إلى الناس و يعبد الله الفرد الواحد وحده الذي هو في حكم الأب لجميع أرباب الحياة من المخلوقات.
و كان فيلاطوس ذا خبرة في مذاهب الرواقيين و سائر فلاسفة يونان فكأنه لم ير في ما كلمه به عيسى موضع غمضة و لا محل مؤاخذة و لذلك عزم ثانيا أن يخلص هذا النبي السليم المتين من شر اليهود و سوف في حكم قتله و إنجازه.
لكن اليهود لم يرضوا بذلك و لم يتركوه على حاله بل أشاعوا عليه أنه فتن بأكاذيب عيسى و أقاويله و أن فيلاطوس يريد الخيانة على قيصر و أخذوا يستشهدون عليه و يسجلون الطوامير على ذلك يريدون به عزله من الحكومة و قد كان برز قبل ذلك فتن و انقلابات في فلسطين و القوى المؤمنة القيصرية قليلة العدة لا تقوى على إسكات الناس فيها كل القوة.
و كان على الحكام و سائر المأمورين من ناحية قيصر أن لا يعاملوا الناس بما يجلب شكواهم و عدم رضايتهم.
فلهذه الأسباب لم ير فيلاطوس بدا من أن يفدي هذا الشاب المسجون للأمن العام و يجيب الناس فيما سألوه من قتله.
و أما عيسى فإنه لم يجزع من الموت بل استقبله على شهامة من نفسه و قد عفا قبل موته عمن تسبب إلى قتله من اليهود ثم قضى به على الصليب و الناس يسخرون منه و يشتمونه و يسبونه.
قال «جلاديوس أنسا» هذا ما قص لي يوسف من قصة عيسى و دموعه تجري على خديه و حين ودعني للمفارقة قدمت إليه شيئا من المسكوك الذهبي لكنه أبى أن يأخذه و قال لي يوجد هاهنا من هو أفقر مني فأعطه إياه.

