
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
الفوارق بين التشريع الدينيّ والوضعي
كيف عالج الله تعالى مشكلة النزاع في المجتمع الإنسانيّ؟ وما الفارق بين التشريعات الإلهيّة والوضعيّة في ذلك؟ وهل صحيح أنّ الدين قائم على الجهل والتقليد ومحاربة العلم؟ وما الفرق بين النزاع الاجتماعيّ والنزاع الدينيّ؟ وهل للإنسان حياة اجتماعيّة بعد الدنيا؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
7انعدام الحياة الاجتماعيّة للإنسان بعد الدنيا
ثمّ إنّه يخبرنا أنّ الإنسان سيرتحل من الدنيا التي فيها حياته الاجتماعيّة، و ينزل دارًا أخرى سمّاها البرزخ۱، ثمّ دارًا أخرى سمّاها الآخرة، غير أنّ حياته بعد هذه الدنيا حياة انفراديّة، و معنى كون الحياة انفراديّة، أنّها لا ترتبط بالاجتماع التعاوني، و التشارك و التناصر، بل السلطنة هناك في جميع أحكام الحياة لوجود نفسه لا يؤثر فيه وجود غيره بالتعاون و التناصر أصلاً، و لو كان هناك هذا النظام الطبيعيّ المشهود في المادّة لم يكن بدّ عن حكومة التعاون و التشارك، لكنّ الإنسان خلّفه وراء ظهره، و أقبل إلى ربّه، و بطل عنه جميع علومه العمليّة، فلا يرى لزوم الاستخدام و التصرّف و المدنيّة و الاجتماع التعاونيّ و لا سائر أحكامه التي يحكم بها في الدنيا، و ليس له إلا صحابة عمله و نتيجة حسناته وسيّئاته، و لا يظهر له إلا حقيقة الأمر و يبدو له ﴿النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون﴾٢، قال تعالى: ﴿وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً﴾٣ وقال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾٤ و قال تعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾٥ و قال تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾٦ و قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾۷ و قال تعالى: ﴿وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾۸ إلى غير ذلك من الآيات، فهذه الآيات كما ترى تدلّ على أنّ الإنسان يبدّل بعد الموت نحو حياته فلا يحيا حياة اجتماعيّة مبنيّة على التعاون و التناصر، و لا يستعمل ما أبدعه في هذه الحياة من العلوم العمليّة٩، و لا يجني إلا ثمرة عمله ونتيجة سعيه؛ ظهر له ظهورًا فيجزى به جزاءً.
- انظر حول إثبات البرزخ وخصوصيّاته تفسير الميزان، ج۱، ص: ٣٤٦ ـ ٣٥٢، ومعرفة المعاد ج۱ ص ۱٣٤ والبحث المنتخب تحت عنوان: حقيقة الروح الإنسانيّة. (م)
- اقتباس من سورة النبأ الآية ٣.
- سورة مريم، الآية ۸۰.
- سورة الأنعام، الآية ٩٤.
- سورة يونس، الآية ٣۰.
- سورة الصافات، الآية ٢٦.
- سورة إبراهيم، الآية ٤۸.
- سورة النجم، الآية ٤۱.
- المراد بها العلوم الاعتباريّة مثل علمه بالوجوب والجواز والحسن والقبح والملكيّة والرئاسة. راجع البحث الأوّل من البحوث الاجتماعيّة تحت عنوان: كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟.
