
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
خصائص الإنسان ونشأة المجتمع والدين
ما هي نظرة القرآن إلى الإنسان والمجتمع والدين؟ ما هي خصائص الإنسان وما هي علومه؟ وكيف يستفيد منها في تحقيق غاياته؟ كيف نشأ المجتمع الإنسانيّ وما معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع؟ ما الغاية الاجتماعيّة للنبوّة وكيف تحلّ مشاكل المجتمع؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
3البيان التفصيلي لتاريخ حياة الإنسان الاجتماعيّة والدينيّة
بدء تكوين الإنسان
و محصل ما تبيّنه تلك الآيات على تفرقها أنّ النوع الإنساني ـ و لا كلّ نوع إنساني بل هذا النسل الموجود من الإنسان ـ ليس نوعا مشتقًّا من نوع آخر حيوانيّ أو غيره حوّلته إليه الطبيعة المتحوّلة المتكاملة، بل هو نوع أبدعه الله تعالى من الأرض، فقد كانت الأرض و ما عليها و السماء و لا إنسان، ثمّ خلق زوجان اثنان من هذا النوع، و إليهما ينتهي هذا النسل الموجود، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَ قَبائِلَ﴾۱ ، و قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾٢، و قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾٣، و أما ما افترضه علماء الطبيعة من تحوّل الأنواع و أنّ الإنسان مشتقّ من القرد، و عليه مدار البحث الطبيعيّ اليوم، أو متحوّل من السمك على ما احتمله بعض فإنّما هي فرضيّة، و الفرضية غير مستند إلى العلم اليقينيّ، و إنما توضع لتصحيح التعليلات و البيانات العلميّة، و لا ينافي اعتبارها اعتبار الحقائق اليقينيّة، بل حتّى الإمكانات الذهنيّة، إذ لا اعتبار لها أزيد من تعليل الآثار و الأحكام المربوطة بموضوع البحث، وسنستوعب هذا البحث إن شاء الله في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾٤و٥
تركّبه من روح و بدن
و قد أنشأ الله سبحانه هذا النوع ـ حينما أنشأ ـ مركّبًا من جزأين و مؤلّفًا من جوهرين: مادّة بدنيّة، وجوهر مجرّد هي النفس و الروح، و هما متلازمان و متصاحبان ما دامت الحياة الدنيويّة، ثمّ يموت البدن و يفارقه الروح الحيّة، ثمّ يرجع الإنسان إلى الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾٦ (انظر إلى موضع) قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾۷، و في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾۸، و أوضح من الجميع قوله سبحانه ﴿وَ قالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾٩، فإنّه تعالى أجاب عن إشكالهم ـ بتفرّق الأعضاء والأجزاء و استهلاكها في الأرض بعد الموت فلا تصلح للبعث ـ بأنّ ملك الموت يتوفّاهم و يضبطهم فلا يدعهم، فهم غير أبدانهم! فأبدانهم تضلّ في الأرض لكنّهم أي نفوسهم غير ضالّة و لا فائتة و لا مستهلكة، و سيجيء إن شاء الله استيفاء البحث عما يعطيه القرآن في حقيقة الروح الإنساني في المحل المناسب له.۱۰
- سورة الحجرات، الآية ۱٣.
- سورة الأعراف، الآية ۱۸٩.
- سورة آل عمران، الآية ٥٩.
- سورة آل عمران، الآية ٥٩.
- بحث العلاّمة هذا الموضوع في ج٤، ص: ۱٤٣ تحت عنوان: كلام في أن الإنسان نوع مستقل غير متحول من نوع آخر. وراجع البحث المنتخب حول ذلك في موقع مدرسة الوحي تحت عنوان: عمر الإنسان وبدء تكوينه.
- سورة المؤمنون، الآية ۱٦.
- راجع تفسير الميزان، ج۱٥ ص ٢۰، والبحث المنتخب حول هذا الموضوع تحت عنوان: حقيقة الروح الإنسانيّة.
- سورة ص الآية ۷٢.
- سورة السجدة، الآية ۱۱.
- بحث صاحب الميزان هذا الموضوع في العديد من المواضع من تفسيره منها ج۱٥ ص ٢۰، وج ٤ ص ٦۰، وج٣ ص ۱٩٦ وغيرها وهي مجموعة في سلسلة من البحوث تحت عنوان حقيقة الروح الإنسانيّة في موقع مدرسة الوحي.
