
العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد
النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين
ما هو العائق الأكبر الذي يحبس السالك ويمنعه من التقدّم الروحي؟ كيف يوقعنا “الخيال” والانشغال بتفاصيل الخصومات في فخّ الغفلة عن مقاصدنا؟ هل تحوّل ادعاء التديّن والانتماء لإمام الزمان (عجل الله فرجه) إلى أداة لتمزيق وحدة الصفّ وتبرير الأهواء؟ وكيف يُمكننا استثمار مبادئ الفلسفة الصدرائيّة عمليًّا في بناء ذواتنا وأسرنا ومواجهة الابتلاءات؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مسلطةً الضوء على ضرورة التسليم التامّ للتقدير الإلهيّ، والارتحال من “قطار النفس” إلى “قطار الحقّ”.
العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد
9النظرة التكوينيّة لابتلاءات الدنيا مفتاح لستر العيوب وترك الاعتراض
يقول: «آفرین بر نظرِ پاکِ خطاپوشش باد!»؛ أي: طوبى لنظرته الطاهرة الساترة للخطأ!
إنّه لعجيب! فهو لا يقول «لا يوجد خطأ»، بل يقول «ساتر للخطأ». فهناك خطأ إذن؛ غاية الأمر أنّه يستر ذلك الخطأ. فإن لم يكن هناك خطأ، فلماذا يُريد أن يستره؟! فلماذا هذا الستر؟ الشطر الأوّل من الشعر يقول: «پیر ما گفت خطا بر قلم صُنع نرفت!»؛ أي: قال شيخنا: لم يجرِ الخطأ على قلم الصنع. فهو ينظر أوّلاً من جهة التكوين في المسألة: لا مُؤثّر في الوجود إلّا الله. وهذا هو مقتضى الوحدة والتوحيد الأفعاليّ ومقتضى التوحيد الصفاتيّ. فالتوحيد الأسمائيّ وما شابه ذلك في مكانه؛ أمّا مقتضى هذا التوحيد الأفعاليّ، فهو هذا الشطر الأوّل الذي يقول: «قال شيخنا: لم يجرِ الخطأ على قلم الصنع». فكلّ ما في الوجود يستند إلى الله تعالى؛ أو: لا مُؤثّر في الوجود إلّا الله؛ أو: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.۱ هذا بالنسبة للشطر الأوّل.
ثمّ يصل إلى الشطر الثاني: حسنًا، ما الذي يجب أن نفعله في النهاية تجاه هذه الأخطاء التي نراها في هذه الدنيا؟ ففي النهاية، نحن نرى أخطاءً وباطلاً ونزاعات واعتداءات على بعضنا البعض؛ فماذا نفعل بها؟ هذه الأمور أيضًا نأتي ونسترها! نأتي، ونلحظها في جانب الواقع، وليس في جانب التكليف الظاهريّ؛ إذ في جانب التكليف الظاهريّ، يجب أن يكون كلّ شيء بحساب؛ فيجب تأديب المعتدي، ويجب أن ينال الظالم جزاءه؛ والتقصير في هذه القضيّة يوجب المسؤوليّة؛ وهذا هو الجانب الظاهريّ للمسألة. فهو يقول: أصلح ذلك الجانب التكوينيّ، وأصلح جانب قلبك وباطن المسألة. ابحث عمّا تحتاجه وانظر ما هو، لا أن تنظر دائمًا وتقول: هذا ارتكب باطلاً، وذاك ارتكب باطلاً.
يجب أن يكون ما يدور في قلبك هو أن تسند كلّ الأمور إلى الله، وأن تتحرّك وفقًا لما كُلّفت به. فالجلوس واللطم على رأسك دائمًا: «لماذا هذا...؟ ولماذا ذاك...؟» يُعيقك. جلوسك المستمرّ لتقول: «آه، لماذا وقع زلزال هنا؟ ولماذا وقع الرضيع تحت أنقاض الزلزال؟ ولماذا هبّت عاصفة هناك وجرفت الجميع معها إلى البحر؟» يُعيقك عن الحركة. فهذه التساؤلات بـ «لماذا» ستكون سببًا في توقّفك. لقد كانت مصلحة الله في ذلك، فجاءت العاصفة وضربت، ولا يهمّ الآن أيّ عمل كان سببًا في ذلك؛ فسواء ارتكب أولئك الناس المنكوبون ذنبًا أم لم يرتكبوا، فالله وحده يعلم؛ فنحن لسنا مطّلعين على المصلحة الإلهيّة.
- سورة الإنسان، الآية ٣۰.
