
العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد
النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين
ما هو العائق الأكبر الذي يحبس السالك ويمنعه من التقدّم الروحي؟ كيف يوقعنا “الخيال” والانشغال بتفاصيل الخصومات في فخّ الغفلة عن مقاصدنا؟ هل تحوّل ادعاء التديّن والانتماء لإمام الزمان (عجل الله فرجه) إلى أداة لتمزيق وحدة الصفّ وتبرير الأهواء؟ وكيف يُمكننا استثمار مبادئ الفلسفة الصدرائيّة عمليًّا في بناء ذواتنا وأسرنا ومواجهة الابتلاءات؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مسلطةً الضوء على ضرورة التسليم التامّ للتقدير الإلهيّ، والارتحال من “قطار النفس” إلى “قطار الحقّ”.
العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد
6كان هذا موضوعًا يُدقّق فيه العظماء كثيرًا. الآن، انظروا إلى هذه القضايا التي تجري أمام أعينكم؛ فالأمر كلّه يتمثّل في إظهار جوانب الحُسن الاعتباريّة والمجازيّة للناس، وإبعاد جوانب الخلل والضعف عن الأنظار، وكتمان محاسن الطرف المقابل عن هؤلاء الناس، وإفشاء مساوئ الطرف المقابل لهم! هذا هو كلّ ما ترونه في الأحاديث واللافتات والكتابات؛ فتُشاهدون هاتين القضيّتين في كلّ مكان. هل حدث يومًا أن جاء أحدهم، وأفشى جهة ضعفه، وأعلن عن حُسن الآخر؟! إن رأيتم ذلك، فأخبروني! حينها، إذا رأينا ذلك، يجب أن نقول: ماذا؟! يبدو أنّ الظهور قد اقترب! فذلك الزمان هو زمان اقتراب الظهور. عندما يأتي إنسان، ويقول ما يراه حقًّا. كأن يقول أحد المُدرّسين: «يا سيّدي، فلان يُدرّس أفضل منّي؛ فلا تأتِ إلى درسي، بل اذهب إلى درسه. فبيانه أفضل، وعلمه أكبر، واطّلاعه أكثر. اذهب إلى درسه، لتستفيد أكثر». هل حدث هذا من قبل؟! إن حدث فهو أمر جيّد جدًّا، ومهمّ جدًّا. هل حدث يومًا أن جاء طبيب، وقال: «يا سيّدي، فلان يُشخّص هذا المرض بشكل أفضل»؟! فبدلاً من كلّ هذه المماطلة وتوجيهه يمنة ويسرة وإرهاقه وأخذ الملايين منه، ثمّ القول: «اذهب، فلا يُمكنني فعل شيء»، وبدلاً من هذا البؤس والشقاء الذي يصبّونه على رأس هذا المريض المسكين العاجز، فليقُل له بصراحة منذ البداية: «يا عزيزي، أنا لا أستطيع معالجة هذا [المريض]؛ خذه، واذهب به إلى فلان»؛ أو أن يقول: «لا فائدة ترتجى من علاج هذا المريض بتاتًا؛ فالتجوّل به في المستشفيات لا يجلب سوى الصداع والأذى». أو أن يأتي إنسان إلى آخر، ويقول: «يا سيّدي، هل ترى طريقًا أو شيئًا أو مسألة لحلّ مشكلتي؟!»، فيُجيبه: «يا سيّدي، أنا لست مُطّلعًا كثيرًا على هذه المسائل. من الأفضل لك أن تذهب، وتطرح هذه القضيّة على فلان».
قطار النفس وقطار الحقّ محطّتان تكشفان حقيقة النوايا
انظروا، ثمة مسارٌ يتحقّق؛ وهو إمّا حركة في النفس، أو حركة في مسار الرضا الإلهيّ. ولِنُسمّ مسار الرضا الإلهيّ بـ «الحركة المخالفة للنفس»، أو «الحركة نحو الكليّة»، أو «الحركة نحو التجرّد والتوحيد».. سمّوها ما شئتم. وهناك سكّة حديد للنفس أيضًا؛ وهذه السكّة لها محطّات: المحطّة الأولى، الثانية، الثالثة... وكلّ واحدة منها تتعلّق بمسألة: محطّة للمُريد، ومحطّة للمقامات، ومحطّة للمنافع الماديّة، ومحطّة للمنافع الشخصيّة؛ وكلّها محطّات يتحرّك هذا القطار فيها، ويمضي على هذه السكّة واحدة تلو الأخرى.
