
العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد
النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين
ما هو العائق الأكبر الذي يحبس السالك ويمنعه من التقدّم الروحي؟ كيف يوقعنا “الخيال” والانشغال بتفاصيل الخصومات في فخّ الغفلة عن مقاصدنا؟ هل تحوّل ادعاء التديّن والانتماء لإمام الزمان (عجل الله فرجه) إلى أداة لتمزيق وحدة الصفّ وتبرير الأهواء؟ وكيف يُمكننا استثمار مبادئ الفلسفة الصدرائيّة عمليًّا في بناء ذواتنا وأسرنا ومواجهة الابتلاءات؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مسلطةً الضوء على ضرورة التسليم التامّ للتقدير الإلهيّ، والارتحال من “قطار النفس” إلى “قطار الحقّ”.
العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد
4وحقًّا، ما الذي يفعله الناس ـ الذين قصرت أيديهم عن هذه المعارف ـ بأنفسهم؟! أنتم ترون الآن أيَّ وضعٍ نحن فيه! فذاك يسعى جهده ليطّلع على المسائل الباطلة للآخر، ويأتي ليُعلنها؛ والآخر يفعل ما بوسعه ليطّلع على أعمال ومسائل الطرف المقابل؛ وإن لم يجد نقطة سلبيّة، يختلقها ويتّهمه! إنّ التشبيهات والأمثلة التي ترونها هنا تُظهر لكم حقًّا في هذه الدنيا نفسها أحداثَ يوم القيامة ﴿يَومَ تُبلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.۱
عندما كان العظماء يقولون: «الآخرة والدنيا شيء واحد»، فهذا هو! تعال وانظر يا سيّدي. كلّنا ندّعي الإسلام والتشيّع، وكلّنا ندّعي محبّة إمام الزمان؛ في حين أنّنا نربطه عليه السلام بحبل في كلّ مكان، ونجرّه خلفنا؛ وكما أنّ كبار الصحابة رضوان الله علينا أجمعين (!) ربطوا أمير المؤمنين عليه السلام بحبل، واقتادوه إلى المسجد للبيعة، فكذلك نحن ربطنا إمام الزمان بحبل، ونجرّه خلف أهوائنا؛ وذلك أيضًا ليس بعزّة واحترام، بل بحبل!
فالإنسان تارة يقول لأحدهم: «تفضّل، تكرّم، وتحدّث لصالحنا في هذه المسألة»؛ وتارة نقول: «يا سيّدي، قم وتعال، وتحدّث لصالحنا في هذه القضيّة»؛ وتارة نقول: «أيّها الوغد الفلانيّ ابن الفلانيّ، سأُريك الويلات! الويل لك أيّها الغبيّ! يجب أن تأتي»؛ وتارة، تتجاوز الأمور هذا الحدّ، فنأتي بالطرف المقابل عن طريق الضرب والركل ليتحدّث لصالحنا. نحن نجرّ إمام الزمان بهذه الطريقة إلى مجالسنا وإلى مجتمعنا! نجرّه بذلك الحبل الذي وضعوه في عنق عليّ عليه السلام، ليأتي ويعمل من أجلنا، ومن أجل أهدافنا ونوايانا! ثمّ نحن أنفسنا ـ الذين ندّعي أنّنا نتّبع مسار الأئمّة ـ لا نتوانى عن أيّة مسألة قبيحة ووقحة للوصول إلى هدفنا وغايتنا، وقد سمّينا أنفسنا بالمسلمين والشيعة!
وتطفو كلّ النوايا على السطح.. إنّه لأمر عجيب جدًّا! كلّ النوايا تظهر! ماذا حدث؟! كيف أصبح هذا الرجل الذي كان هكذا في ذلك الزمان، يُعبَّر عنه بمثل هذه الأمور الآن؟! كيف كان في ذلك الزمان هكذا، والآن أصبح رجلاً سيّئًا؟! كلّ هذا لأنّ الأصل والواقع قد بُني على الجزئيّة لا على الكليّة؛ بُني على التشتّت والتكثّر، لا على الوحدة. لم يُبنَ على الوحدة؛ لم يُبنَ على التوحيد، بل على التكثّر والتشتّت، وعلى لحاظ الجزئيّة والتوّهمات وما شابه ذلك.
- سورة الطارق، الآيتان ٩ و۱۰.
