
شهرُ رمضانَ ـ تجلّياتُ الأسرارِ الروحيّةِ ومقاماتُ العبوديّة
قراءةٌ تأمّليّةٌ في اعتباريّةِ الزمانِ وحقيقةِ حدودِ الأوطانِ في الرؤيةِ الإسلاميّة
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين التقويم الهجريّ القمريّ والتقاويم الأخرى؟ وهل الأزمنة والأشهر مجرّد أرقام اعتباريّة أم أنّ لها آثارًا روحيّة وحقيقيّة على نفس الإنسان؟ وما هو المعيار الحقيقيّ لحدود الأوطان في الإسلام؟ ومَن هو “الخارجيّ” والداخليّ بناءً على هذه الرؤية؟ ولماذا كان الأولياء والعظماء يختفون عن الأنظار في العشر الأواخر من شهر رمضان؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات، وتأخذك في رحلة لاستكشاف الهدايا الإلهيّة المخبّأة في أزمنة محدّدة، وكيفيّة التعرّض لنفحات الله تعالى في شهر ضيافته.
شهرُ رمضانَ ـ تجلّياتُ الأسرارِ الروحيّةِ ومقاماتُ العبوديّة
5خصائص الأشهر الروحيّة: ما هي التحف الإلهيّة المخبوءة في كلّ زمان؟
الأشهر القمريّة هي أشهرٌ تترتّب عليها آثار؛ أي: عندما يحلّ شهر محرّم، سواء أدركتم ذلك أم لم تدركوا، تشعرون بانقباض وضيق في داخلكم. لا يُمكن أن يكون إنسان شيعيًّا لأمير المؤمنين عليه السلام، ويحلّ شهر محرّم، ولا تعتريه حالة من الحزن، حتّى لو لم يكن يعلم أنّ هذه الليلة هي الليلة [الأولى] من شهر محرّم. حسنًا، هذا ليس أمرًا اعتباريًّا، بل هو واقع.
لا يُمكن أن يحلّ شهر رمضان ولا يشعر الإنسان بحالة الصيام في وجوده، حتّى لو لم يعلم أنّه الآن شهر رمضان. لماذا هذا؟ ليس ذلك اعتباريًّا، بل هو أمر واقعيّ. هل هذا واضح؟! وبما أنّ بناء الإسلام يقوم على المنطق والإحكام والإتقان، وهو بعيد عن المجازات والمسائل التي تدور حول القضايا والأهواء النفسانيّة، فقد جاء وطبّق هذه المسألة الواقعيّة في حياة الإنسان؛ أي إنّه قال: إذا كنتم تُريدون أن تُحدّدوا لأنفسكم سنةً، فحدّدوا سنةً صحيحةً [مبنيّة على الواقع]، لا سَنةً اعتباريّةً.
افترضوا أنّ برلماننا يُقرّر الآن أن يجعل بداية السنة هي الأوّل من خرداد؛ حسنًا، مَن الذي سيمنعه؟ ألم يأتِ الشاه؟ جاء الشاه وقال: «نريد أن نجعل تاريخنا التاريخ الشاهنشاهيّ». مَن الذي منعه؟ لا أحد؛ لم يمنعه أحد. أو لنضرب مثالاً بهذه الساعة التي تستمرّ حتّى الآن؛ فتغيير الساعة وتقديمها وتأخيرها كان من زمن الشاه، حيث تُقدّم ساعةً في الربيع، وتُؤخّر ساعةً في بداية الخريف (وبالطبع، تقوم الدول الأخرى بهذا العمل أيضًا). لقد فعل الشاه ذلك ولم يمنعه أحد؛ وبالمناسبة، هذا ليس عملاً سيّئًا؛ لأنّ الساعة أمر اعتباريّ. أريد أن أحسب بداية وقت ليلي من الآن، أو من قبل ساعتين، أو من بداية الغروب، أو من منتصف الليل، أو من الظهر؛ هذه مسألة اعتباريّة.
إنّ تقديمنا للساعة لمدّة ستّة أشهر وتأخيرها لستّة أشهر أخرى، هو بيدنا نحن. فليأتِ البرلمان الآن ويقول: «نحن، بناءً على مصالح نراها، نشتهي أن نجعل بداية السنة من بداية الخريف». حسنًا، لا إشكال في ذلك، ولن تسقط السماء، ولن يحدث زلزال! هل ستحدث غيوم وعواصف؟! كلاّ! فبداية السنة هي بداية الربيع؛ والآن، نُريد أن تكون بدايتها هي بداية الخريف؛ لن يحدث أيّ إشكال. ولكنّ الأمر ليس كذلك في الإسلام؛ فالإسلام يقول: يجب أن تُراعي المنطق في جميع أعمالك؛ وفي هذا المورد أيضًا، يجب أن تُراعي المنطق. أوجدوا أنتم ما هو أفضل من السنة القمريّة، وسنعتبره نحن سنةً؛ ولكنّنا لا نستطيع أن نجد. لماذا؟ لأنّ بقيّة [التقويمات] اعتباريّة؛ بينما يخضع هذا للمنطق. لماذا نعتبر نحن الأوّل من محرّم بداية للسنة؟ بسبب هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ أي إنّ هجرة النبيّ أمر واقعيّ، ثمّ يُستثنون تلك الأيّام القليلة [حتّى موعد الهجرة الدقيق] ويتجاهلونها لكي تبدأ تلك السنة الحقيقيّة من الأوّل من محرّم.
