
شهرُ رمضانَ ـ تجلّياتُ الأسرارِ الروحيّةِ ومقاماتُ العبوديّة
قراءةٌ تأمّليّةٌ في اعتباريّةِ الزمانِ وحقيقةِ حدودِ الأوطانِ في الرؤيةِ الإسلاميّة
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين التقويم الهجريّ القمريّ والتقاويم الأخرى؟ وهل الأزمنة والأشهر مجرّد أرقام اعتباريّة أم أنّ لها آثارًا روحيّة وحقيقيّة على نفس الإنسان؟ وما هو المعيار الحقيقيّ لحدود الأوطان في الإسلام؟ ومَن هو “الخارجيّ” والداخليّ بناءً على هذه الرؤية؟ ولماذا كان الأولياء والعظماء يختفون عن الأنظار في العشر الأواخر من شهر رمضان؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات، وتأخذك في رحلة لاستكشاف الهدايا الإلهيّة المخبّأة في أزمنة محدّدة، وكيفيّة التعرّض لنفحات الله تعالى في شهر ضيافته.
شهرُ رمضانَ ـ تجلّياتُ الأسرارِ الروحيّةِ ومقاماتُ العبوديّة
2[أعوذُ باللهِ منَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ]
هل الزمن مجرّد أرقام اعتباريّة أم حقائق تكوينيّة؟
[يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله]:
«شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ... أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ».۱
للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله كلامٌ حول شهر رمضان المبارك لا يوجد في سائر المواضيع. ومهما يكُن، فإنّ عناية الله تعالى تتعلّق ـ بمقتضى مشيئته ومصلحته ـ بأزمنة وفترات تختلف فيما بينها من حيث الخصوصيّة، وهذه ليست مسألة اعتباريّة؛ كما هو الحال ـ على سبيل الفرض ـ في أيّام السنة (فروردين، وأرديبهشت، وخرداد، وأمرداد، وما شابه ذلك)، حيث إنّها مسألة اعتباريّة.
يُمكنك أن تجعل بداية السنة هذه الليلة بالذات؛ لأنّ الكرة الأرضيّة في ارتباطها بالفلك الذي تدور حوله تقوم بدورة تبلغ ٣٦۰ درجة؛ ولهذا، فأيّة نقطة من هذه الدائرة تعتبرها مبدأً للسنة، فلن تكون قد ارتكبت خطأً. افترض الآن أنّهم يجعلون بداية شهر فروردين بداية للسنة؛ من أين جاؤوا بذلك؟ هل نزلت آية؟! هل أُوحي إليهم؟! من أين؟ يقولون: في بداية السنة التي تنتقل فيها الأرض ـ بناءً على تلك البروج التي حدّدها المنجّمون وعلماء الهيئة السابقون ـ من برج الحوت إلى برج الحمل.
حسنًا، أقول أنا الآن: كلاّ، فلتنتقل [بداية السنة] من هذه الليلة؛ إذ لم تنزل أيّة آية توجب عليكم افتراض الأوّل من فروردين مبدأً للسنة. أو أنّ المسيحيّين يتّخذون الأوّل من يناير مبدأً للسنة، ولا يضطرب العالَم. نعم، كان الفرس القدماء يتّخذون الأوّل من فروردين بداية للسنة، ونحن المسلمون نتّخذ الأوّل من محرّم مبدأً لتاريخنا؛ غاية الأمر، أنّ الفرق بيننا وبينهم يكمن في أنّ صنيعهم هذا أمرٌ اعتباريّ. فلو سألهم سائل: على أيّ أساس تجعلون بداية السنة هو الأوّل من فروردين؟ فلن يكون لديهم جواب يُقدّمونه.
[يقولون]: «هكذا نشتهي». في النهاية، يجب علينا أن نُحدّد يومًا ما [كمبدأ] على مدار السنة. فقد تستخيرون أو تتفاءلون، وتجعلونه الأوّل من فروردين. وإذا سُئل المسيحيون أيضًا: لماذا تجعلون الأوّل من يناير بداية للسنة؟ سيقولون: «هكذا نشتهي». أمّا نحن، فلا يُمكننا أن نقول: إنّنا نشتهي ذلك؛ لماذا؟ لأنّ الشهر الذي نجعله تاريخًا لنا، له أثر وضعيّ، وليس أمرًا اعتباريًّا؛ أي إنّ لهذه الأشهر من السنة آثارًا في نفس الإنسان من حيث التربية الروحيّة، ولا يُمكننا أن ننقل ذلك الأثر من مكانه.
- الأمالي، الصدوق، ص ٩٤.
