
علاقة الإيمان بارتقاء الفهم
نقد المرجعية الشعبوية وبيان رسالة عالم الدين
هل وظيفة المرجع أن يوافق رغبات الناس أم يوقظهم إلى الحقّ؟ كيف يرتقي فهم الإنسان في مدرسة العرفان الشيعي؟ ولماذا يُعدّ الإيمان والعلم طريقًا إلى رفع الدرجات؟ هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه، تجيب عن هذه الأسئلة من خلال نقد المرجعية الشعبوية، وبيان أثر التربية السلوكية في تبدّل النفس والفكر، والتأكيد على أن رسالة العالم الديني هي رفع مستوى الفهم لا تثبيت الانحراف، مع تطبيقات على عاشوراء، والأربعين، وموقف العالم من الضغوط الاجتماعية
علاقة الإيمان بارتقاء الفهم
13وقد رُوي: «يقتلونَ ابنَ رسولِ اللهِ ويسألونَ عن دمِ بعوضة»
(رُوي هذا المعنى في مصادر متعدّدة، منها: الكافي، ج ۱، باب اختلاف الحديث).
يقتلون ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثم يسألون عن دم بعوضة!
هذا هو الوقوع في أسر الظاهر، والتعلّق بالشعارات، والانشداد إلى المظاهر، والانغماس في الأوهام.
يقول: «لقد هدموا قبّة الأئمّة!»
نعم، هدموا قبّةً من لبنات. فما حقيقة ذلك في ميزان القيم؟
مدرسة العرفان وارتقاء الإدراك
هذه أمور ينبغي للناس أن يفهموها، وأن يرتقوا بإدراكهم، ويخرجوا من عالم التخيّلات.
إنّ مدرسة العرفان كلّها لأجل هذا: أن تُحدث في النفس حركةً باطنيّة، بحيث تتبدّل طريقة الفهم. فالخبر هو الخبر نفسه، ولم تصل معلومة جديدة، ولكنّ الإنسان يرى أنّ حكمه اليوم يختلف عن حكمه قبل شهرين؛ لأنّ في قلبه حدثت حركة.
ولهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾۱
فكلّما ازداد الإيمان، وازداد العلم، ازداد الارتفاع في الدرجات؛ وكلّما اشتدّ تجرّد النفس، ارتفع مستوى الإدراك.
معيار قياس النموّ الروحي
يمكن للإنسان أن يجعل هذا الأمر ميزانًا لنفسه: إن رأى أنّ ميوله اليوم أقرب إلى مباني الأكابر ممّا كانت في العام الماضي، فليعلم أنّه يسير في طريق النموّ.
وإن رأى أنّه يبتعد عن تلك المباني، فليعلم أنّ في المسير خللًا.
وهذا ينطبق على العلاقات أيضًا.
ربما كنتَ تميل إلى إنسانٍ في العام الماضي، وتُثني عليه، وتأنس بمجالسته؛ ثم ترى اليوم أنّ ذلك الميل قد خفّ. أو بالعكس، كنتَ تنفر من شخصٍ، ثم ترى نفسك تميل إليه.
هذه التحوّلات تكشف عن تغيّرٍ في المعايير الباطنيّة.
خطر العناد وتثبيت النفس في الخطأ
إنّ من أخطر الأمور أن يدخل الإنسان من باب الكِبر والعناد؛ فإنّ الله ـ والعياذ بالله ـ يثبّته هناك، ويهيّئ له المبرّرات، ويُوجد له بدائل تعوّض ما فقده، حتى لا يشعر بالفراغ الذي يدفعه إلى المراجعة.
فإن فقد صديقًا، عوّضه بآخر؛ وإن خسر اثنين، جاءه بغيرهما؛ فيتوثّق غلافه شيئًا فشيئًا، حتى يصير كقوقعةٍ صلبة لا تُخترق.
شبكة العنكبوت في بدايتها رقيقة؛ يمكن تمزيقها بسهولة.
- سورة المجادلة (٥۸) الآية ۱۱.
