
كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟
أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا
كيف تتبدل رؤية الإنسان للأشياء بتبدّل سعته الوجوديّة وصفاته الباطنيّة؟ ولماذا لا يمكن إدراك الرحمة الإلهيّة الحقيقية إلا بالتحقّق بها في رتبة رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ وهل هناك فرق بين معرفة الحقّ عن طريق برهان الصديقين وبين معرفته بالإفاضة الإشراقيّة والشهود؟ وكيف يشرح الإمام السجّاد عليه السلام مقام الفناء في عبارة «بِكَ عَرَفْتُكَ»؟ يختتم سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه هذه السلسلة بالإجابة على هذه الأسئلة.
كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟
6وبصورة عامّة إنّ رؤية الأطهار تختلف إلى المسائل، زواجهم يختلف، معاملتهم تختلف، تجارتهم تختلف، جلوسهم وقيامهم يختلفان، الماء والطعام الذي يأكلونه يختلف. وكمثال، نحن نرى وليًّا للّه تزوّج، فنقول: لماذا فعل ذلك؟! أصلاً هذا المقام، ليس مقام شهوة؛ هذا المقام، مقام آخر؛ هذا المقام، مقام تقييم المصلحة الكليّة؛ هذا يختلف عن رؤيتنا حيث نرى أيّ أحد فنسير خلفه ونطلبه؛ عمله لا ربط له أصلاً بهذه المسائل والأمور! أو مثلاً نرى وليًّا اشترى لنفسه المكان الفلاني، لاحظ الوضعيّة الفلانيّة، أجرى المعاملة الفلانيّة، أجرى التجارة الفلانيّة، سافر إلى المكان الفلاني؛ كلّ هذه مسائل يجب أن تُبحث في أفقين مختلفين كليًّا ولا يمكننا النظر إلى الأمور برؤية واحدة. ومولانا يقول هنا: لهذا، يضلّ خلق كثير حين يقيسون ويقولون: لماذا هو هكذا ونحن هكذا؟! إن كان هذا الطريق صحيحًا، فلماذا يفعل هو هذا؟! والحال أنّهم لا يعلمون أنّه يسير الآن في مسائل أخرى بعيدة كليًّا عن حيطة إدراك إنسان كهذا.
إدراك صفات الله بما يتناسب مع السعة الوجوديّة لكلّ إنسان
لذا نحن لا يمكننا إدراك مقام رحمة الله إلا بمقدار سعتنا الوجوديّة؛ نحن لا يمكننا إدراك مقام جلال الحقّ إلا بمقدار سعتنا الوجوديّة. فالله تعالى لديه عداوة وخصومة مع الكفار والمشركين ونحن نتخيّل أنّ عداوة الله مثل عداوتنا! أحدهم أخذ مالنا وذهب، فنحن نلحق به ونضربه ونريق ماء وجهه ونعاقبه بكذا وكذا! أحدهم أراق ماء وجهنا وتعرّض لكرامتنا، فنحن أيضًا نريق ماء وجهه ونسيء إلى كرامته، فنظهر مشكلاته وخفاياه ونعلن أنه لديه هذه العيوب! أحدهم ضربنا صفعة، فنحن أيضًا نضربه صفعة في المقابل! نحن نقيس الله على أنفسنا، لكنّ هل الأمر بالنسبة إلى الله هكذا أيضًا؟! هل واقعًا لدى الله عداوة مع أحد؟! هل لدى الله عداوة مع شمر ويزيد؟! هل لدى الله عداوة مع الشيطان؟! هل الله عدوّ للكفّار والمشركين؟! حسنًا هؤلاء من أين جاؤوا؟! أليس هؤلاء وجود الله نفسه؟! ما هي صورة وكيفيّة العداوة فيهم؟ القضية هناك بأيّ نحو؟ إذن هذه الآيات التي جاءت في القرآن بالنسبة للكفار، لماذا؟ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزينَ فِي الْأَرْضِ﴾۱؛ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾٢؛ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾٣؛ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾٤. معنى هذه الآيات هو أنّه لا يظنّن أولئك أنّهم [خارجون عن سلطاننا]. ونحن لا يمكننا إدراك ذلك إلا أن نطّلع نحن أيضًا على تلك المرتبة من الربوبيّة وعلى كيفيّة الارتباط بين الله وبين هؤلاء. فإذن لا إمكان لأن يجد الإنسان سبيلاً لصفات الحقّ إلا أن يعطي الله تعالى للإنسان من تلك الصفة والنعت الموجود في وجوده.
- سورة النور (٢٤) الآیة ٥٧.
- سورة إبراهیم (١٤) الآية ٤٧.
- سورة آل عمران (٣) الآیة ١٧٨.
- سورة إبراهیم (١٤) الآیة ٤٢.
