
كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟
أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا
كيف تتبدل رؤية الإنسان للأشياء بتبدّل سعته الوجوديّة وصفاته الباطنيّة؟ ولماذا لا يمكن إدراك الرحمة الإلهيّة الحقيقية إلا بالتحقّق بها في رتبة رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ وهل هناك فرق بين معرفة الحقّ عن طريق برهان الصديقين وبين معرفته بالإفاضة الإشراقيّة والشهود؟ وكيف يشرح الإمام السجّاد عليه السلام مقام الفناء في عبارة «بِكَ عَرَفْتُكَ»؟ يختتم سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه هذه السلسلة بالإجابة على هذه الأسئلة.
كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة على خير خلقه وأشرف بريته محمد
وآله الطيبين الطاهرين المعصومين
واللعنة على أعدائهم ومخالفيهم إلى يوم الدين
التناسب بين سعة العارف ومستوى معرفته بالله تعالى
«بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْت» ۱
إلهي، أنا عرفتك بك لا بشيء غيرك، والدالّ عليك أنت لا شيء سواك، وأنت دعوتني إليك وأنت طلبتني إليك؛ ولولا أنت لم أدر من أنت وما أنت.
يبدو أنّ الليلة هي الليلة الأخيرة. وإن كان يبدو أننا لا نزال في أول الطريق، وهذه الفقرات تحتاج لبسط وشرح أكبر بكثير، ونحن أيضًا يجب أن نكون مستفيدين ومستفيضين؛ لكن إن شاء الله نجمع المطلب الليلة وبقدر بضاعتنا، إذا كان هناك فكرة ما نبيّنها.
تقدّم أنّ اللازم الذي لا ينفكّ والذي لا يقبل أن يتخلّى عنه في المعرفة، هو تحقق حقيقة واحدة وأمر ما في العارف والمعروف كليهما، حتّى يتمكّن العارف من الاطلاع على ذلك المعروف ويتمكّن من إدراك مقام المعروف. وبدون تحقّق تلك الحقيقة في نفس العارف، لا إمكان لوصول السعة الوجودية والعلمية للعارف إلى المعروف، ومن المستحيل أن يتمكّن العارف ـ سواء في العلم الحصولي في مرتبة علوم الظاهر أو في مقام الشهود والعلم الحضوري في مرتبة الباطن ـ من الإحاطة العلميّة بذلك المعروف؛ لذا يجب حتمًا أن توجد تلك الحقيقة في العارف.
وتقدّم أنّنا نعلم مثلاً أنّ الله أرحم الراحمين، وصفة الرحمة والعطف موجودة في الله تعالى، والآيات والروايات الكثيرة والأدلّة العقليّة أيضًا شاهدة على هذا؛ لكن شرط إدراك معنى الرحمة في وجود الله تعالى، هي تحقّق هذا المعنى للرحمة في وجودنا؛ أي أنّنا بمقدار السعة الوجوديّة لهذا المعنى في ظرف نفوسنا، يمكننا الاطلاع على رحمة الله.
هل رحمة الله كرحمة الأمّ بولدها أم كرحمة الأب بولده؟
لكن كيف هي رحمة الله؟ هل هي من قبيل رحمة الأمّ بالولد، أم من قبيل رحمة الأب بالولد؟ لأنّ رحمة الأم بالولد تختلف عن رحمة الأب به؛ فنحن الآباء، لا يمكننا أبدًا إدراك رحمة الأمّ بالولد وعطفها، لأنّنا لسنا أمّهات، وندرك مقدارًا ضئيلاً من تلك الرحمة. فالأب لا يدرك أصلاً في أيّة سعة وجوديّة هي الأمّ الآن وما هي حالتها بالنسبة للولد؛ ولو قال إنه يدرك، فهو يقول ذلك لا عن وعي. وكذلك الأمّ لا تدرك بأيّ نحو يملك الأب رحمة بولده وعطفًا عليه؛ لأنّ الأم تنظر إلى هذه الرحمة من وجهة نظر عاطفيّة وشعوريّة. لذا ترون أنّه يحصل اختلاف بين الأب والأم بالنسبة لكيفيّة تربية الولد؛ لأنّهما لديهما رؤيتان مختلفتان لشيء واحد. فلو كان لكليهما رؤية متساوية، لما وجد الاختلاف.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٨٢، فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي.
