
كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟
أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا
كيف تتبدل رؤية الإنسان للأشياء بتبدّل سعته الوجوديّة وصفاته الباطنيّة؟ ولماذا لا يمكن إدراك الرحمة الإلهيّة الحقيقية إلا بالتحقّق بها في رتبة رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ وهل هناك فرق بين معرفة الحقّ عن طريق برهان الصديقين وبين معرفته بالإفاضة الإشراقيّة والشهود؟ وكيف يشرح الإمام السجّاد عليه السلام مقام الفناء في عبارة «بِكَ عَرَفْتُكَ»؟ يختتم سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه هذه السلسلة بالإجابة على هذه الأسئلة.
كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟
12أفق رؤية أولياء الله بالنسبة لشهر رمضان المبارك
ننهي المطلب هنا وندعو الله أنّه أخيرًا مرّ شهر رمضان وواقعًا لم نستطع أن نجد في أنفسنا لياقة للوفود إلى ذلك الحريم. وواقعًا العظماء مثل السيّد الحدّاد، والمرحوم العلاّمة وغيرهما، كانوا يعتبرون شهر رمضان خلال السنة، أكبر جائزة وأكبر هدية وأكبر نعمة؛ وكانوا يتلقّون إتمامه بتوفيق بمعنى الهدية الكبرى للباري وشكرًا لهذه الهدية، كما كتب المرحوم العلاّمة نفسه في كتاب "الروح المجرد"، وكانوا يتشرفون بالمشاهد المقدّسة ويسافرون إلى هذه الأماكن بعنوان الشكر لتلك الذوات المقدّسة. فواقعًا ماذا كان يرى هؤلاء وماذا كانوا يحسّون، وماذا نحسّ نحن وماذا نرى؟! نحن ليس لدينا زاد غير الخسران وغير الخجل والحياء ـ أقول هذا بالنسبة لنفسي ـ يليق بمقام الله، لنقدّمه للحضور في المحضر الربوبيّ المقدّس. لذا واقعًا يجب أن نطلب من الله من باب:
أُحِبُّ الصّالحینَ و لَستُ منهم *** لَعَلَّ اللَهَ یَرزُقُنی الصَلاحا۱ ما يمكننا ادعاؤه، هو محبّة هؤلاء العظماء ومحبّة هؤلاء الأولياء، ولو مجازًا؛ وأنّنا واقعًا نحبّهم، نحبّ طريقهم، نحبّ مسيرهم. وإن كانت يدنا قاصرة وأبدًا لا نستطيع الوصول إلى مقامهم المنيع وحتى لا نستطيع تخيّل تلك العوالم التي كانوا يطوونها في هذا الشهر؛ وعلى حدّ قول المرحوم العلاّمة الذي كان يقول: »أصلاً أنا لا أستطيع أن أكتب ما أحسست به من هذا الرجل بالقلم! فماذا يمكنني أن أقول؟! فمن كان هو، وما كانت هذه المسائل التي لم يستطع بيانها؟!٢
فبالالتفات إلى الكلام الذي تقدّم يُفهم أنّ ما كان يحسّه هو، كان متحقّقًا به هو أيضًا؛ يعني واقعًا في أيّ أفق كان يسير هؤلاء بحيث لم يستطيعوا كتابة حالهم بالقلم ولم يستطيعوا إحضاره على الورق! ونحن نعلم أنّ هؤلاء لا يقولون جزافًا وكلامهم كلام حقّ وصحيح. وما يبقى لنا، هو فقط حاجتنا واحتياجنا والتجاؤنا إلى أمثال هؤلاء الأفراد وهؤلاء العظماء، وأن يفيض هؤلاء بطهارتهم وبحقيقتهم الطاهرة والمطهّرة، رشحة من يمّهم اللامتناهي علينا، ويخرجونا من عالم البهيميّة والحيوانيّة هذا، ويجعلوننا متجانسين ومتلوّنين معهم، ويجعلوننا في كلّ مكان وكلّ وقت مشمولين لرعاية الحقّ تعالى؛ وإلاّ ففي غير هذه الصورة، واقعًا حالنا فاسد!
- نسب هذا البيت إلى الشافعي مع اختلاف في الشطر الثاني أحيانًا.
- الروح المجرّد، ص ۱٣: و لقد كان هذا الرجل ذا مغزىً عظيمٍ، جمّ الفضل والعلم يقصر عنه لفظ العظمة، وكان واسع الأفق رحبه إلى درجة لا سبيل للتعبير عن سعة إدراكه. و كان متوغّلاً في التوحيد، مندكًّا فانيًا في ذات الحقّ تعالى إلى الحدّ الذي يبقى ما نقوله و نكتبه عنه اسمًا و رسمًا؛ فهو خارج عن التعيّن، متخطٍّ للاسم و الرسم.
نعم، كان السيّد هاشم الحدّاد روحي فداه حقًّا و واقعًا رجلاً تقصر أيدينا عن نيل أذيال أثوابه المتطاولة. و غالبًا ما كنتُ ألتقي به أثناء هذه المدة المديدة في أسفاري التي كانت تحصل مرّة أو مرّتين في السنة و تدوم شهرين أو ثلاثة، فأرد منزله في كربلاء و اعَدُّ من عياله و أولاده؛ لكنّه مع ذلك رحل، و بعد رحيله فقد بَقِيتُ حتّى يومي هذا تلفّني الحيرة و يكتنفني الحياء، خاضعًا مطأطئًا أمام ذلك الشموخ و الرفعة و ذلك المقام و تلك الجلالة.
لقد عَجَزَتِ الألفاظ عن وصفه؛ فماذا أقول في رجلٍ وقفتْ أمامه الكلمات حيرى و أكلَّ الواصفين عن وصفه ناهيك عن إدراكه؟!
