
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
حقيقة الإعجاز ومقامات الأولياء
ما هي حقيقة القاعدة العرفانية لا يعرف شيء شيئًا إلا بما هو فيه منه؟ وكيف يكون الاتحاد في الرتبة شرطًا لإدراك مقامات الأنبياء كعيسى (ع) في خلقه للطير؟ وهل يختلف الإعجاز عن الأمور العادية في نظر العارف الواصل؟ وما الفرق بين كرامات الأولياء الظاهريّة وبين مقام التسليم المحض الذي لا يرى فرقًا بين الوضوء بالماء والتيمم بالتراب؟ يغوص سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المعاني الدقيقة، موضحًا أنّ العبوديّة الحقة تكمن في الامتثال للمشيئة الإلهيّة حتى في المرض لا في فرض رغبات العبد على المولى باسم الدعاء أو طلب الكرامة.
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
9الإعجاز في كلام السيد الحدّاد، لا في عمل المقدس الأردبيلي الذي يدعو: «إلهي هذا البئر لا ماء فيه، فأخرج ماءه!» مقام السيد الحدّاد رفيع حيث لا يرى فرقًا بين إخراج الماء والوضوء وبين التيمّم! هذا الكلام للسيد الحدّاد إعجاز حيث يقول: هؤلاء الناس يتخيّلون أنهم إذا ذهبوا لجانب البئر ودعوا وخرج الماء، فهذه معجزة؛ أما عندما يفتحون صنبور الماء في بيتهم ويأتي الماء، فلا يعتبرون هذا معجزة! يقولون: خرجت الجواهر بدل الماء وقال: «أحمد يريد ماءً، وتعطيه الجواهر؟!۱» فيصبّ تلك الجواهر في البئر ليخرج الماء ثانية. الناس يقولون: «ما شاء الله، أيّ مقام هذا! هؤلاء كانوا يلتقون بإمام الزمان... »
طبعًا لا تتخيّلوا أنّنا نريد القدح بهؤلاء؛ كلاّ، فهؤلاء كانوا من العظماء وليس لهم نظير في هذه الأزمنة. نحن في مقام المقارنة، لا في مقام الطرد. المرحوم المقدس الأردبيلي كان رجلاً عظيمًا، تقيًّا، صاحب كرامات ولم يحصل على هذه الكرامات عبثًا؛ حصل عليها بالرياضات، بالأسحار، بالتهجّد وأمثال ذلك؛ لكنّني أريد أن أقول إنّ العرفان، شيء آخر!
لزوم الاتحاد وتساوي الرتبة مع الأولياء الإلهيين لإدراك حقيقة أفعالهم وكلامهم
الوصول إلى هذا الكلام للسيّد الحدّاد، هو وصول لمعنى هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾؛ تخلق من الطين مجسّمًا بإذني وبعدها تنفخ فيه ويصبح طيرًا بإذني. الظاهر والباطن، كلاهما أصبح واحدًا؛ إذن لا ظاهر لدينا ولا باطن. التوحيد يعني أن يرفع حجاب الظاهر والباطن ويرى الإنسان مشيئة واحدة وإرادة واحدة؛ هذا يصبح توحيدًا. إن شاء الله أي وقت وصلتم، خذوا بأيدينا أيضًا؛ نحن نتعب ونقول لكم هذه المطالب التي قالوها لنا، أنتم أيضًا خذوا بأيدينا في النهاية!
إذن هذا المقام الذي يحصل للإنسان ويدرك معه فعل النبيّ عيسى عليه السلام، هو لأنّ وجوده قد أدرك معنى ومفهوم الخلق، وبالنتيجة يدرك عمل النبيّ عيسى؛ أما إن لم يدرك، فهو فقط يحدّق به! يراه قد أخذ ذلك التراب وحوّله إلى طيـن وبعدها فجأة طار وذهب. النبيّ عيسى يقول: «أنا نفخت فيه وذلك الطين تحوّل إلى طير». لكنّ الناظر يقول: «أنا لم أرَ نفخًا!»
- طرائف المقال، ج ٢، ص ٤٠٠.
