
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
حقيقة الإعجاز ومقامات الأولياء
ما هي حقيقة القاعدة العرفانية لا يعرف شيء شيئًا إلا بما هو فيه منه؟ وكيف يكون الاتحاد في الرتبة شرطًا لإدراك مقامات الأنبياء كعيسى (ع) في خلقه للطير؟ وهل يختلف الإعجاز عن الأمور العادية في نظر العارف الواصل؟ وما الفرق بين كرامات الأولياء الظاهريّة وبين مقام التسليم المحض الذي لا يرى فرقًا بين الوضوء بالماء والتيمم بالتراب؟ يغوص سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المعاني الدقيقة، موضحًا أنّ العبوديّة الحقة تكمن في الامتثال للمشيئة الإلهيّة حتى في المرض لا في فرض رغبات العبد على المولى باسم الدعاء أو طلب الكرامة.
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
7تنها تویی تنها تویی در خلوت تنهاییام *** تنها تو میخواهی مرا با اینهمه رسواییام يقول:
أنت وحدك أنت وحدك في خلوة وحدتي *** أنت وحدك تحبّني مع كلّ هذه الفضائح التي أنا فيها.
إذن الله يحبّنا مع كلّ هذه العيوب والنواقص ولا يمكنه ألاّ يحبّنا؛ لأنّ هذه الأمراض هو من أعطاها. فالله المتعال، هو نفسه خلقنا وهو أعطانا الوجود وهو أعطى الصحّة وهو يعطي المرض. وكما يقول الإمام السجاد سلام الله عليه: إلهي، أنت أعطيتني الصحة؛ وبواسطة الصحّة والسلامة أتمكن من أداء التكاليف والفرائض التي في حال الصحة. وأشكرك عند المرض، على أنك أمرضتني ونبهتني لضعفي. وكم من ذنوب كانت تصدر وتتمشّى مني بواسطة الصحة، ولكنّك دفعتها بواسطة المرض۱!
إذن فالمرض أيضًا من الله. وكلام الإمام هذا معجزة؛ يعني يريد أن يقول: بنفس المقدار بل أكثر من المقدار الذي تكون فيه الصحّة ممدوحة، المرض أيضًا ممدوح. والذي لا يمرض، لا يمكنه إدراك سلامته؛ والتكبّر والاستغناء يحيط به ولا تتجلّى وتتبلور له تلك النواقص وذلك الخلل. فما لم يقع أحد في بلاء، لا يمكنه إدراك نقاط ضعفه؛ تلك النقاط التي أبعدته عن المعبود وأوجدت فاصلة بينه وبين الله والمالك الحقيقي له. هذه النقاط تأتي وتوجد مسافة وتسدّ طريق الإنسان. المرض نعمة، البلايا نعمة، كل الابتلاءات نعم إلهيّة يأتي بها الله لعباده. وبدون هذه النعم لا يمكن للإنسان إقامة الارتباط بالله ويصاب بالأنانية والتفرعن.
يقول الإمام السجاد: كيف أشكرك على هذا المرض الذي أعطيتنيه؟! أنت بوسطة هذا المرض، أرشدتني ودللتني على مسائل باطنيّة لا يُحصل على واحد من ألف منها في الصحّة والسلامة! وهذه حقيقة.
لزوم إتيان الفرائض وفقًا للمشيئة الإلهية لعلة حفظ مقام العبودية
إذن نحن بهذه الخصوصية وهذه الكيفية عبيد للّه في كلا الحالين من الصحّة والمرض. فهل يعقل أنّ الله الذي جعل هذا المرض لتطهيرنا ومصالحنا الأخرى، أن يقول: «أنا أحبّ حال سلامتك أكثر من هذه الحالة»؟! عجيب جدًّا وكلام أحمق جدًّا! فهذا العبد المسكين لم يذنب! وأن يأتي الله ويقول للمريض الذي في الحمّى: «أنا أحبّ الصلاة في حال القيام ومع الطهارة المائيّة ومع تمام الشروط أكثر!» إن كانت مثل هذه الصلاة سيئة للمرض، فهي أصلاً حرام وباطلة!٢ وإن كان الصوم مضرًّا للجسم، فهو باطل وعليه القضاء؛ ليس فقط غير ممدوح، بل هو مذموم٣. وطبعًا في حال لم يكن فيه "قربى"؛ ولكن في بعض الحالات توجد قربى؛ كما لو كان الإنسان جاهلاً. أما لو قال مع العلم بأنّ الصوم يسبّب له مشكلة وهناك أمر بالإفطار: «أحبّ أن أصوم، لكي لا يذهب ماء وجهي بين الجمع ولا يقولوا إنّه أفطر» فصومه باطل ويجب عليه القضاء وقد ارتكب ذنبًا أيضًا! فالله يقول: أنا مالكك والآن وضعتك في هذه الظروف، ومقصودي أن تقوم بهذا العمل الآن؛ فهل أنت تمارس الفضول في عملي؟! من أنت لتتدخّل في عملي؟! أنا أمرضتك وأريد منك صلاة مستلقيًا، لكنك تقوم وتصلي قائمًا، والحال أنّه مضر لظهرك وستسقط! فمن قال لك أن تفعل هذا؟! أنا الآن أقول: الوضوء مضرّ لك، فيجب أن تصلي بالتيمم!
- الصّحیفة السجّادیة، ص ٧٦: «اللهمّ لك الحمد على ما لم أزل أتصرّف فيه من سلامة بدني، ولك الحمد على ما أحدثتَ بي من علّة في جسدي».
فما أدري يا إلهي! أيّ الحالين أحقّ بالشكر لك، وأيّ الوقتين أولى بالحمد لك! أوقْتُ الصحة التي هنّأتني فيها طيبات رزقك، ونشّطتني بها لابتغاء مرضاتك وفضلك، وقوّيتني معها على ما وفّقتني له من طاعتك؟ أم وقت العلّة التي محّصتني [امتحنتني وطهرتني] بها، والنعم التي أتحفتني بها [بسبب العلّة والمرض] تخفيفًا لما ثقل على ظهري من الخطيئات، وتطهيرًا لما انغمستُ فيه من السيئات، وتنبيهًا لتناول التوبة، وتذكيرًا لمحو الحوبة (ورفع آثار الخطايا) بقديم النعمة؟ وفي خلال ذلك ما كتب لي الكاتبان من زكي الأعمال، ما لا قلب فكّر فيه، ولا لسان نطق به، ولا جارحة تكلّفته، بل إفضالاً منك علي، وإحسانًا من صنيعك إليّ.
اللهم فصلّ على محمد وآله، وحبّب إليّ ما رضيت لي، ويسّر لي ما أحللت بي، وطهّرني من دنس ما أسلفت، وامحُ عني شرّ ما قدّمت، وأوجدني حلاوة العافية، وأذقني برد السلامة (في الدين)، واجعل مخرجي عن علّتي إلى عفوك، ومتحوّلي عن صرعتي إلى تجاوزك، وخلاصي من كربي إلى روْحك، وسلامتي من هذه الشدّة إلى فرَجك، إنّك المتفضّل بالإحسان، المتطوّل بالامتنان، الوهّاب الكريم، ذو الجلال والإكرام.
وراجع حول تفصيل هذا الموضوع: أسرار الملكوت، ج٢، ص: ٢٩٦. - راجع وسائل الشّیعة، ج ٣، ص ٣٤٦ ـ ٣٤٨.
- راجع وسائل الشّیعة، ج ١٠، ص ٢١٧ و ٢٢٤.
- الصّحیفة السجّادیة، ص ٧٦: «اللهمّ لك الحمد على ما لم أزل أتصرّف فيه من سلامة بدني، ولك الحمد على ما أحدثتَ بي من علّة في جسدي».
