
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
حقيقة الإعجاز ومقامات الأولياء
ما هي حقيقة القاعدة العرفانية لا يعرف شيء شيئًا إلا بما هو فيه منه؟ وكيف يكون الاتحاد في الرتبة شرطًا لإدراك مقامات الأنبياء كعيسى (ع) في خلقه للطير؟ وهل يختلف الإعجاز عن الأمور العادية في نظر العارف الواصل؟ وما الفرق بين كرامات الأولياء الظاهريّة وبين مقام التسليم المحض الذي لا يرى فرقًا بين الوضوء بالماء والتيمم بالتراب؟ يغوص سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المعاني الدقيقة، موضحًا أنّ العبوديّة الحقة تكمن في الامتثال للمشيئة الإلهيّة حتى في المرض لا في فرض رغبات العبد على المولى باسم الدعاء أو طلب الكرامة.
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
6أثناء رحلة الحجّ التي كنت فيها مع المرحوم العلّامة رضوان الله عليه وكان عمري سبعة عشر عامًا، عندما كنا في المدينة جاء أحد المصابين بأمراض جلديّة، بحيث كانت يداه وبدنه فيهما جراح وكان هذا المسكين في أذى، فجاء يومًا برفقة أخيه الذي كان عالم الحملة، إلى المرحوم العلّامة. لم يكن هذا الرجل معمّمًا، لكنّ ظاهرًا لم يكن خلوًا من الدروس الحوزويّة وكان فاضلاً. فقال للمرحوم العلّامة: سيدنا، جئت إلى الحج، وأريد أن أؤدي الأعمال؛ أعمال الحج أمامي، الإحرام أمامي. فمع هذه الجراح كيف سيكون لباس الإحرام وأعمال الطواف والصلاة؟! ادعُ الله أن يشفي هذا المرض الجلديّ والبدني عندي! فقال المرحوم العلّامة: كان أحد العلماء السابقين باسم الآخوند الملا فتح علي السلطان آبادي يريد الانطلاق إلى مكّة؛ فقال: «إلهي، أريد في هذا السفر ألا أصاب بمشاكل التطهير هذه و...؛ فارفع عني في هذا السفر ألم ومشقّة هذه القروح والجروح!» وبمجرّد أن تحرّك من منزله ليعبر مع تلك القافلة والحملة من بوابة المدينة، شفي تمام بدنه دفعة واحدة؛ كأن لم يحدث شيء، كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، لم تبق فيه أية آثار من هذه القروح والجروح! واستمر في سفره هكذا، جاء إلى مكة والمدينة والأعتاب وعاد؛ وما إن دخل من بوابة المدينة في بلده، حتى عادت كلّ تلك الجراح إلى مكانها الأول.
كان المرحوم العلّامة يريد أن يقول: وإن كان قد دعا، لكنّ الأمر أعلى من ذلك. فالمرحوم الآخوند الملا فتح علي، كان صاحب نَفَس وكانت له حالات، وهو الذي كان يعلم بطون القرآن۱؛ لكنّ الأمر هو أنّا نحن تحت حكومة الله أم لا؟! هل جعلنا الله عبيدًا له أم لا؟! الله لا يمكنه إنكار هذا ويقول: «لا، أنت عبد لي ما دمت سالمًا، أنا لا أريد عبدًا مريضًا، اذهب وشأنك!» أين نذهب؟! هل يمكن للّه أن يقول مثل هذا الكلام: «ما دامت حرارة بدنك ٣٧ درجة، فأنت عبدي وأنا مالك لك؛ ولكن بمجرّد أن ازدادت حرارتك درجة واحدة، فإنّك تخرج، مع السلامة»؟! «لا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْ حُكُومَتِك»٢. هذا الإله العظيم، يفعل كل ما بيده، لكن لا يمكنه القول إني أخرجك من عبوديّتي ومن حكومتي! شاء أم أبى، هذا كُتب على الله وهو مجبور على الإقرار به! الآن لنذهب لأنفسنا؛ هل يمكننا حساب أنفسنا خارج حكومة الله في أيّ ظرف وأيّ موقع؟! لا، فنحن أيضًا لا نستطيع! "المال السيّئ، يلتصق بلحية صاحبه"٣؛ والله مجبور أن يقبلنا هكذا! فقد كان بإمكانه ألاّ يخلقنا؛ والآن إذ خلقنا، فيجب أن يتحمّل تبعات ذلك! ومن جهة أخرى، نحن أيضًا لا نستطيع. فإذن نحن مرتبطون به وهو مرتبط بنا! هو أيضًا صنع هذا الآدمي ذا الرجلين، والآن احتار ماذا يفعل به! إذن الله يريدنا في كل حال.
- حقائق الأصول، ج ١، ص ٩٥؛ أنوار الملكوت، ج ٢، ص ٢٦.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٨٤٥، مقطع من دعاء کميل.
- مثل فارسي.
