
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
حقيقة الإعجاز ومقامات الأولياء
ما هي حقيقة القاعدة العرفانية لا يعرف شيء شيئًا إلا بما هو فيه منه؟ وكيف يكون الاتحاد في الرتبة شرطًا لإدراك مقامات الأنبياء كعيسى (ع) في خلقه للطير؟ وهل يختلف الإعجاز عن الأمور العادية في نظر العارف الواصل؟ وما الفرق بين كرامات الأولياء الظاهريّة وبين مقام التسليم المحض الذي لا يرى فرقًا بين الوضوء بالماء والتيمم بالتراب؟ يغوص سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المعاني الدقيقة، موضحًا أنّ العبوديّة الحقة تكمن في الامتثال للمشيئة الإلهيّة حتى في المرض لا في فرض رغبات العبد على المولى باسم الدعاء أو طلب الكرامة.
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
4فإذن بما أنّ رأس المال، والحقيقة المطلوبة وذلك الجانب الوجودي الذي لا بدّ منه لإدراك النفخ غير متحقّق فينا، فلا يمكننا المعرفة بمقام النبيّ عيسى عليه السلام. إنّ عرفاننا بالنبيّ عيسى عليه السلام في خصوص مقام الإعجاز ـ لا في سائر المراتب الأخرى التي هي له ـ ينحصر فقط في مرتبة "صنع الطين" هذا؛ نرى أنّ هذا الطين الذي يصنعه، نحن أيضًا نجيد صنعه! لكن توجد نقطة مهمّة هنا والله يبيّن سرّ الأمر هنا، بحيث لو وصلنا إلى ذلك السرّ في القضيّة الأولى، لانحلّت لنا القضيّة الثانية أيضًا؛ وذلك هو قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾. فكلّ "لِمّ" وسرّ القضيّة هو في هذه الـ ﴿بِإِذْنِي﴾! لأنّه عندما يصنع طفل طينًا، فهو أولاً لا يستأذن الله. هذا الطفل يأخذ التراب ويصنع طينًا، ثمّ يضربه برجله ويخربه؛ فهل يأتي ويستأذن الله قائلاً: إلهي، اسمح لي أن أصنع طينًا؟! لعله لا يقبل الله أصلاً. أو عندما نأخذ نحن الطين ونصنع مجسم عصفور، حيّة وسمكة، فنحن لا نستأذن الله.
عدم الفرق بين الإعجاز وغير الإعجاز في مشيئة الله وإرادته
من هذا الأمر نستفيد هذه الحقيقة وهي أنّ حقيقة المشيئة النازلة الصانعة الخالقة المريدة التي تريد أن تأتي بنور الوجود وفيض الوجود إلى قالب التعيّنات، هي من وجهة نظري أنا "الأعمى" لها حالتان اثنتان، وأنّ عيوننا "الرمداء" تفرّق بين الإعجاز وبين غير الإعجاز؛ لكن في الواقع المسألة واحدة. أصلاً في عالم الوجود، لا معنى للإعجاز. نفخ الروح له نفس الأهميّة التي لخلق الطين على يد النبيّ عيسى عليه السلام؛ وخلقة الروح في هذا البدن الترابي هي بنفس القدر "عديمة القيمة" وسهلة كخلقة الطين على يد النبيّ عيسى. وإذا أردنا أن نعتبر قدرًا ومقامًا وثمنًا لإعجاز النبيّ عيسى عليه السلام، فيجب أن نعتبر نفس المقدار لخلق الطين.
فمن وجهة نظر الله، أصلاً لا تفاوت بين خلق الطين وبين النفخ ونفخ الروح وتحقق الروح في هذا الهيكل. من وجهة نظر مشيئة وإرادة الباري، لا تفاوت بين حركة أعضاء طفل في خلق الطين وإرادته، وبين إرادة ذلك المقام المنيع للنبيّ عيسى في خلقة الروح. كلاهما واحد؛ منتهى الأمر أنّ أعيننا الظاهريّة فصّلت بين هاتين المسألتين وجعلت فرقًا بينهما.
