
العقلانيّة في مدرسة العرفان
صفات المجتهد
لماذا يُشترط اتحاد الرتبة لتحقق المعرفة الحقيقيّة؟ وما هي الآثار الوضعيّة الخطيرة لكشف الأسرار السلوكيّة لغير أهلها؟ وكيف يدور التكليف مدار العلم والسعة الوجوديّة؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الولاية والتقليد الفقهيّ؟ وهل يجوز تقليد العارف الواصل إن لم يكن مجتهدًا في الأحكام الظاهريّة؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني عن هذه الأسئلة منتقدًا الشعارات السطحيّة في الدين، ومبينًا منهج العلامة الطهراني القائم على الإتقان والبرهان لا على مجرّد الأذكار.
العقلانيّة في مدرسة العرفان
9يُحكى أن قطّة أكلت لحمًا كان عند أحدهم فقال: «أنا لا أخدع! اشتريت كيلو لحم وأكلتِهِ؛ فانتظري سأحاسبك!» فكّر وقال: «هكذا لا ينفع، أكلت اللحم الذي اشتريته، فيجب أن آكل من هذه القطّة بمقدار كيلو!» فوضعها في كيس وذهب إلى الصحراء، مشى حتّى شارف على الموت، وبما أنّ أكل الميتة حال الاضطرار جائز بل واجب۱، قال: «الآن صرتِ حلالاً! الآن وأنا أموت وحفظ النفس من الواجبات، ولا يقوم إلا بأكله! وحتماً بهذه القطة يتمّ حفظ النفس». فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم!» وذبحها وأكلها!
فإذا جعلنا البناء على أنّ طريق الله وسعادة الدنيا والآخرة بيد مطّلع على تمام شراشر وجود الإنسان وخصوصيّاته وما سبق وما يأتي، الماضي والمستقبل، الأعلى والأسفل، وهذا الطرف وذاك، والنفس وكلّ عوالم الملك والملكوت يراها في وجود الإنسان بالعلم الحضوري، أي هي في يده؛ بهذا الفرض ـ لا أن نطلق الشعارات جزافاً ـ فإذا قال مثل هذا: «اشرب هذا الدم» فهذا يعني أنّه أحسّ بضرورة للإنسان؛ فيجب أن يشرب. هو يختلف عن أيّ بائع لبن يأتي ويقول: افعل كذا وكذا! ما علاقة هذا بذاك؟!
لكنّ الكلام في أنّ السيّد الحداد لم يقل: «قلّدوني!» لم يقل ذلك حتّى لواحد، وكان هو نفسه يقلّد مجتهداً؛ وقلّد أمام عيني وأنا أشهد أنّه عندما قال المرحوم العلاّمة: «استعمال الماء الذي سُخّن بأشعّة الشمس مكروه ولا ينبغي استخدامه»، قال السيد الحداد لأبنائه: «لا تستعملوا هذا الماء؛ فتوى السيّد محمّد حسين أن هذا الماء مكروه!» عندما يكون السيّد الحداد هكذا، فهل يمكنني أنا تقليده؟! هذا التقليد حرام! هذا حساب "اثنين في اثنين يساوي أربعة". قلت لذلك المدّعي: يا عزيزي، هذا لا يحتاج للانفعال؛ يجلس المرء ويتحدّث بهدوء. فإذا جاء قائل وقال: أنا اعتبر زيد بن أسامة بمستوى السيّد الحداد، لكنّني لا أعتبره مجتهداً؛ فهل تجدون أعلى من السيّد الحداد؟! ليس أعلى منه؛ فهل يمكن تقليده أم لا؟! يجب أن يجد الإنسان مجتهداً لكي يقلّده. فإذا جئت لأحد السادة وتحدّثت معه وأدركت أنّه ليس مجتهداً، فلا يمكنني تقليده؛ إما لأنّني من أهل الخبرة وأحدّثه، أو يأتي أهل الخبرة ويشهدون أنّ هذا الرجل ليس لديه اجتهاد، أو هو قريب من الاجتهاد درس لأربع أو خمس سنوات، لكن لديه معرفة بمستوى السيّد الحداد؛ لا يمكنني تقليده وتقليده حرام. هذا يصبح "مبنى وأساس"؛ المبنى يعني إذا عرضت هذا الكلام على أهل الخبرة، أهل العلم الحياديّين، أهل العلم البعيدين عن الهوى والذين يتحدّثون وفق الشرع، فلن يضحكوا بسبب كلامك هذا، لن يسخرو منك ولن يقولوا إنّك أتيت بدين جديد، لن يقولوا إنّك صنعت لعبة جديدة في الدين، لن يقولوا إنّهم أتوا من وراء الجبل ويبيّنون ديناً مزيّفاً للنّاس. مدرسة العلاّمة كانت مدرسة لا يستطيع أحد السخرية منها؛ لكنّ الجميع يسخرون من مدرسة الدراويش والصوفيّة، ويجب أن يسخروا منها وهو تستحقّ السخرية. والسبب في عدم السخرية من مدرسة العلاّمة هو :
- سورة البقرة (٢)، الآية ١٧٣.
