
العقلانيّة في مدرسة العرفان
صفات المجتهد
لماذا يُشترط اتحاد الرتبة لتحقق المعرفة الحقيقيّة؟ وما هي الآثار الوضعيّة الخطيرة لكشف الأسرار السلوكيّة لغير أهلها؟ وكيف يدور التكليف مدار العلم والسعة الوجوديّة؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الولاية والتقليد الفقهيّ؟ وهل يجوز تقليد العارف الواصل إن لم يكن مجتهدًا في الأحكام الظاهريّة؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني عن هذه الأسئلة منتقدًا الشعارات السطحيّة في الدين، ومبينًا منهج العلامة الطهراني القائم على الإتقان والبرهان لا على مجرّد الأذكار.
العقلانيّة في مدرسة العرفان
8لماذا لا يجوز تقليد السيّد الحداد؟
تحدّثت مرّة مع أحدهم، فقال: «برأيي، يجب على الجميع أن يقلّدوا فلاناً مثلاً زيد بن أرقم!»
فقلت له: هل أنت طالب علم أصلاً؟! قولك «يجب على الجميع..»، من أين جاء هذا "الوجوب"؟! هل هذا الوجوب في مبانينا الأصوليّة، أم في رواياتنا؟! يجب أن يأتي من مكان ما؛ من السماء، من الأرض، من المشرق، من المغرب. هذا "الوجوب" خرج من دماغك! أن تقول: «يجب على الجميع تقليد فلان» جزء من أيّ مبنى من مبانينا الأصوليّة والفقهيّة والروائيّة والرجاليّة والسنديّة والدرائيّة؟!
قال: «كلّ من يذهب لأخذ ذكر ودستور من أستاذ، فيجب أن يقلّده أيضاً!»
قلت: سأطرح عليك سؤالاً: لو فرضنا أنّنا أحضرنا السيّد الحداد في هذا الزمان وعاد للحياة وجلس أمامنا؛ فهل يمكن تقليده أم لا؟! لا يمكن تقليده؛ حرام. نعم، تارة هو نفسه يقول: «تعالوا واعملوا بهذا الكلام»، فهذا مطلب آخر. نحن لدينا مبنى لهذه القضيّة وهو أنّه هو ولي، وصل إلى مقام الولاية، عالم بالغيب، عالم بالسرائر، عالم بالملكوت، عالم بالملاكات، عالم بتمام الأحكام الكليّة؛ ذلك الولي يأتي ويقول: «يا عزيزي، أنا أقول لك هذا، ويجب أن تفعل ذلك، ولو وصلتَ شرعاً لفتوى أخرى». هنا ليس لدينا كلام. كما أنّ "المرحوم العلاّمة الوالد، رفع الكأس أمام عينيّ وقال للسيّد الحدّاد: «لو قلت لي اشرب كأس الدم هذا، لشربته دفعة واحدة!» مع فرض أنّه دم واقعاً، وليس عصير كرز؛ ماهيّته لم تتغيّر ولم يتصرّف فيها ولم تنقلب لشراب، وإذا فحصوها وجدوا فيها كريات بيضاء وحمراء وبلازما۱ هذا الكلام قاله مجتهد لا يوجد أعلم منه. لم يقله طالب يدرس "صرف مير٢"؛ قاله من كان الأعلم في النجف بالمقارنة مع الجميع! ودرس دروسه جيّداً؛ في الأصول، الفقه، الدراية، اللغة، الفلسفة والعرفان، كان الأوّل في كلّ المسائل. كلامه ليس مزاحاً، هو صادق. ووفق القاعدة التي يملكها هذا الرجل تجاه السيّد الحداد، هو صادق. يقول: هو الآن عالم بكلّ الأمور وبكلّ المسائل ويعلم أنّ رأيي وفتواي هي نجاسة هذا الدم، وهذا يعرفه الجميع وحتّى الطفل الصغير، ولا يحتاج لتأمّل وهو من ضروريّات الدين؛ ومع ذلك يقول: «اشرب!» هذا يعني حساب "اثنين في اثنين يساوي أربعة" ولا يحتاج لشيء. ألسنا نملك الأحكام الثانوية؟! نحن نحكم في الأحكام الثانوية أنه إذا اضطررنا لشرب الدم لكي لا نموت، وجب شربه؛ وإذا اضطررنا لأكل الميتة، وجب أكلها؛ وإن لم نأكل، أثمنا!
- للمزيد من الاطلاع حول انطباق أعمال وأقوال الإنسان الكامل مع مباني الشرع، راجع: لبّ اللباب، ص ٥٢؛ أسرار الملكوت ج ٢ ص ٤٢ وج ٣ ص ٢٤٥؛ سيره صالحان (فارسي) ص ٤٠٩.
- كتاب في علم الصرف كان يدرس في بداية الدراسة في الحوزة. (م)
