
العقلانيّة في مدرسة العرفان
صفات المجتهد
لماذا يُشترط اتحاد الرتبة لتحقق المعرفة الحقيقيّة؟ وما هي الآثار الوضعيّة الخطيرة لكشف الأسرار السلوكيّة لغير أهلها؟ وكيف يدور التكليف مدار العلم والسعة الوجوديّة؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الولاية والتقليد الفقهيّ؟ وهل يجوز تقليد العارف الواصل إن لم يكن مجتهدًا في الأحكام الظاهريّة؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني عن هذه الأسئلة منتقدًا الشعارات السطحيّة في الدين، ومبينًا منهج العلامة الطهراني القائم على الإتقان والبرهان لا على مجرّد الأذكار.
العقلانيّة في مدرسة العرفان
7أولاً الكلام في من هو الأعلم واعرف من هو الأعلم، وليس من هو أكثر تقوى!
ثانياً: ما هي التقوى؟! هل التقوى بكثرة الصلاة؟! هل التقوى بحمل السبحة؟! هل التقوى بلبس نعل أصفر والمشي متراً أمام الناس؟! هل التقوى بأن ينكس الإنسان رأسه ومن يمشي مستقيماً في الشارع ليس متقياً؟! هل هذه ملاكات التقوى؟! هذه كلمات والدي وأنا أنقلها لكم الآن؛ ولا أقولها من عندي. لقد سمعتها بأذني منه؛ أنا لا أنطق بالهراء! هذه مسائل مهمّة يجب أن يدقّق حولها الإنسان، لئلا يحصل ضلال لنفسه وإضلال للآخرين. التديّن يعني التعهّد. التقليد يعني تفويض الأمور. التقليد في الدين يعني تسليم الاختيار والإرادة وتفويض الأمور لفرد ما. «خذ دينك منه» يعني سلّم له اختيارك وتعلّم منه الطريق والمسير. هذا هو معنى التقليد في الدين۱.
تناسب التكاليف الإلهيّة مع فهم كل مكلّف وإدراكه وسعته
هنا يجب أن يتّضح لنا أنّ الطريق الحقّ هو الذي يكون حقّاً وصحيحاً في كلّ مرتبة. فإذا وجد إنسان في مرتبة من الحق، فحقيّة تلك المرتبة ممدوحة وليست مذمومة. لا يُذمّ طفل في الصفّ الأول لأنّه لا يفهم دروس الصفّ الخامس! يُقال له: ماء، بابا، رمّان، سلّة، تفّاح، حصان؛ هذه للصفّ الأول. ويقال له: «بارك الله بك!» ويُشجّع بهذا المقدار. لا يُضرب على رأسه لأنّه لا يحلّ معادلة من الدرجة الثانية! والصفّ الثاني والثالث كذلك. لكن إذا رأيتم في مكان ما أنّهم قالوا لطفل الصفّ الأول: «لماذا لا تحلّ مسائل الصف الخامس»، فاعلموا أنّ الطريق منحرف؛ لأنّه فهم هذا المقدار الآن، فماذا يفعل؟! هو لا يعرف أكثر من ذلك. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾٢. أي أنّ الله يكلّف كلّ إنسان بمقدار علمه وإدراكه وطاقته. فتارة يعلم ويعاند ولا يفعل، فهذا شيء آخر؛ لكن عندما لا يعلم، ماذا يفعل؟! أتريدون ضربه لأنه لا يعلم؟! يجب أن نُفهمه؛ ما معنى الضرب؟! مثلاً يقول: «لماذا لا تحلّ دروس الصفّ الخامس؟!»
فيقول: «أنا لا أفهم، أنا طفل، أنا في الصفّ الأول! إما أن تطوّلوا قامتي لأصبح في الصفّ الخامس أو اعطوني حقنة واحقنوا هذه المسائل فيّ لأفهمها! أما الآن فلا قامتي تطول ولا تلهمونني لأفهم، ثمّ تضربونني وتقولون لماذا لا تفهم!» يتضح أنّك أنت الأحمق ولم تفهم! من كان طريقه ومنهجه هذا، يتّضح أنّه هو نفسه لم يفهم.
- للمزيد من الاطلاع حول مباني الاجتهاد والتقليد وشرائط المجتهد، راجع: الدرّ النضيد في الاجتهاد وتقليد.
- سورة البقرة (٢)، الآية ٢٨٦.
