
العقلانيّة في مدرسة العرفان
صفات المجتهد
لماذا يُشترط اتحاد الرتبة لتحقق المعرفة الحقيقيّة؟ وما هي الآثار الوضعيّة الخطيرة لكشف الأسرار السلوكيّة لغير أهلها؟ وكيف يدور التكليف مدار العلم والسعة الوجوديّة؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الولاية والتقليد الفقهيّ؟ وهل يجوز تقليد العارف الواصل إن لم يكن مجتهدًا في الأحكام الظاهريّة؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني عن هذه الأسئلة منتقدًا الشعارات السطحيّة في الدين، ومبينًا منهج العلامة الطهراني القائم على الإتقان والبرهان لا على مجرّد الأذكار.
العقلانيّة في مدرسة العرفان
5القضية تشبه قضيّة الطبابة. هل رأيتم أولئك النسوة المسنّات اللاتي يملكن حقيبة، وكلّ من يؤلمه رأسه يعطينه قرصين ويقلن له: «خذه يا بنيّ واشربه».
فيُقال لهن: «ليس معلوماً ما سبب صداعه؛ لعل هذا القرص يقتله!»
فتقول: «لا، خذه واشربه! »
يُحكى أنه أصيب أحدهم بوجع في عينه، فوصفت له عجوز دخان روث الحمار قائلة: «بخّره وقرّبه من عينك لتبرأ». ففعل ذلك المسكين وعمي! ولدينا رواية: «مَن طبَّبَ بغیرِ علمٍ و أصابَه شَیءٌ فدَمُه علیه»۱ أي: من مارس الطبّ بغير علم وأصاب المريض بمكروه، فدمه عليه. لقد رأيت هذه الرواية في مكان ما ولم أرَ سندها، لكن المضمون صحيح ومطابق للبراهين الأصوليّة والفقهيّة. طبعاً هذا في بعض الصور؛ فربما يُقال له: «كان عليك ألا تسمع كلامه، هو قال كلمة فلماذا شربت الدواء؟! الله أعطاك عقلاً!» لكن بالنسبة للطفل الذي لم تتهيّأ له المصالح والمفاسد، أو المريض الذي وصل للاضطرار وسُلب منه التفكير، إذا طُبّب ومات، فدمه في رقبة من عالجه. في الواقع هنا يمكن القول إنّ "السبب أقوى من المباشر". مثلاً يقول: «يا فلان، أصابني كذا في قلبي أو بطني!» فيقول: «خذ الزيت الفلاني وادهن به بطنك وستشفى». لعل الزائدة الدوديّة لديه ملتهبة أو انفجرت، فيدخل القيح للدم ويموت بعد ساعات! فهل يمكن للإنسان أن يفعل ذلك دون اطلاع؟! اليوم أصبح كلّ شيء تخصّصيّاً؛ ويجب العمل وفق التخصّص. انظروا، العين اليوم لها تخصّصات متعددة ومن النادر جدّاً أن يتخصّص طبيب واحد في كلّ هذه الأمراض.
لذا، الدين ليس مزاحاً؛ الدين يجب أن يُلحظ وفق الضوابط والموازين. إن قولهم: «تعال يا فلان وسترى الخير؛ تعال وقلّد هذا وأنا سأجيب عنك يوم القيامة»، هو كلام فارغ. يوم القيامة ستكون أنت غارقاً في مشاكلك، فكيف ستجيب عنه؟! ما هذه الترّهات؟! قولك: «تعال وهذا في عهدتي!» من أنت لتأخذ الأمر في عهدتك؟! كلّ هذه شعارات! ومدرسة العرفان ومدرسة أولياء الله هي مدرسة الإتقان والإحكام. أنتم تذكرون زمن المرحوم العلاّمة؛ فهل رأيتم في عمركم أحداً أشدّ إحكاماً منه بحيث لا ينطق بكلمة إلا على أساس الاستدلال؟! لم يكن يتحدث من فراغ ويقول: «لنذهب ونرى ماذا سيحدث وسنجد له مخرجاً!» الأمر الذي كان يفرضه كان مؤسّساً على قاعدة خرسانية وسد الإسكندر؛ حتّى لو فرضنا أن الأمر خلاف رأينا، لكنّه كان محكماً في وروده وخروجه. كان يقول في شأن الطبيب: «يجب أن يُعالَج عند الطبيب الأكثر تخصّصاً». وفي شأن الأستاذ كان يقول: «يجب الرجوع للأستاذ الأكثر تخصّصاً والأبلغ بياناً والأعلم». وفي شأن الخطّ كان يقول: «يجب الرجوع للكاتب الأكثر تخصّصاً في الخطّ». وكان يقول هذا الكلام في كلّ مورد. والذين عاشروه وجدوا هذا في حياته ومنهجه. وعندما جئت إلى قم، قال لي جملة واحدة: «يا فلان، اذهب وادرس عند أستاذ بحيث إذا انتهى الكتاب لا تتحسّر وتقول ليتني بحثت أكثر!» وكان هذا الكلام دائماً في أذني. لم يقل: اذهب وادرس عند من هو أكثر تقوى. ما علاقة الدرس بالتقوى؟! يجب أن يذهب المرء ليدرس عند من يفهم المطلب بشكل أفضل. هل من يصلّي صلاة الليل يمكنه حلّ مسألة "وحدة الوجود" لي؟! هو أهل صلاة الليل، جيّد جدّاً ونحن مخلصون له. القضيّة تشبه ما إذا أردت بناء عمارة من ١٢٠ طابقاً، فهل تذهب لبنّاءٍ يصلّي في اليوم مائة مرّة أو يذكر الله ألفي مرّة؟ أو تذهب لمن يحسن الصلاة ويخرج الغين من مخرجها و"ولا الضالين" لديه أفضل وتقول له: ارسم خريطة لهذه البناية! سيقول: «أنا لا أجيد إلا رصف الآجرّ». هذا العمل يحتاج لمهندس وخبير. فما علاقة هذا بذاك؟! حتّى لو فرضنا أنّه لا يصلّي. فهذه مسائل وردتنا وهي تفصّل القضايا بهذا النحو.
- الكافي، ج ٧، ص ٣٦٤: «عن السَّکوني عن أبي عبد اللَهِ عليه السلام قال: قال أمیرالمؤمنینَ عليه السلام: مَن تطَبّبَ أو تَبَیطَرَ فلیَأخُذِ البراءةَ من ولِیّه وإلّا فهو له ضامنٌ». وفي سنن أبي داود ج ٢ ص ٣٨٧: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أیَّما طبیبٍ تطَبّبَ علیٰ قومٍ لا یُعرَف له تطَبُّبٌ قبلَ ذلك فأعنَتَ فهو ضامن».
