
العقلانيّة في مدرسة العرفان
صفات المجتهد
لماذا يُشترط اتحاد الرتبة لتحقق المعرفة الحقيقيّة؟ وما هي الآثار الوضعيّة الخطيرة لكشف الأسرار السلوكيّة لغير أهلها؟ وكيف يدور التكليف مدار العلم والسعة الوجوديّة؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الولاية والتقليد الفقهيّ؟ وهل يجوز تقليد العارف الواصل إن لم يكن مجتهدًا في الأحكام الظاهريّة؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني عن هذه الأسئلة منتقدًا الشعارات السطحيّة في الدين، ومبينًا منهج العلامة الطهراني القائم على الإتقان والبرهان لا على مجرّد الأذكار.
العقلانيّة في مدرسة العرفان
4فإن قال: رأيت فلاناً وفلاناً قلّدوه، يقول الله: فليقلّدوا، وما شأنك أنت؟! هل شخّصت أنت أنه ليس الأعلم؟!
يقول: نعم، شخّصت ذلك.
فهنا يؤاخذه الله ويقول: عندما شخّصت أنه ليس الأعلم، فبأيّ معيار شرعيّ وعرفيّ وعقليّ ووجدانيّ جعلت زمام أمورك وتقليدك بيده؟!
ملاكات المجتهد جامع الشرائط للتقليد وفق مدرسة العرفاء الإلهيين
نفرض الآن أنّ هذا الذي نعتبره الأعلم وهو مجتهد، هو "وليّ" وقد وصل إلى مقام الولاية وتجاوز مراحل الأسماء والصفات ولديه القابليّة للهداية والإرشاد. فعندما يعلم الإنسان بذلك، يجب عليه متابعته؛ لأنه يعلم أنه إذا وصل إنسان إلى مراحل الهداية والإرشاد وتجاوز الأسماء والصفات وحصل له الفناء في الذات، فإنه يملك القابليّة للهداية وتجب إطاعته. فإن لم يطعه، يقول الله له يوم القيامة: أنت إذ وصلت إلى مثل هذا الوليّ، فلماذا لم تطعه؟! لماذا لم تسلّم له؟! لماذا لم تنقد له؟! والآن بما أنك لم تسلّم، فجزاؤك أنّ هذه المراتب التي تراها الآن لا نعطيك إيّاها؛ لا نضربك ولا نعاقبك، لكنّنا لا نمنحك هذه المراتب أيضاً. أما لو جاء آخر واعتبر هذا الفرد أعلم، لكنه لا يراه ولياً وصل إلى تلك المراتب، فلا يمكنه شرعاً إطاعته كولي؛ لأنه لا يعلم ذلك. فإن جاء أحد وقال له: «أنت إذ تقلّده، فيجب أن تسلّم زمام أمرك كلّه له كأستاذ!»، فإنّه يخطئ بقوله هذا ولا حقّ له فيه! لأنّ الفرض هو أنّه لا يعلم. فمن قال مثل هذا الكلام؟! الله تعالى يطلب التكليف من الإنسان وفق علمه، ويطلب الوظيفة والتعهّد بمقدار العلم. أنت إذ تعلم أنّه ليس وليّاً، كيف يكلّفك الله بأن تسمع منه بعنوان الولاية؟! هذا أمر مضحك جدّاً! وبنفس هذا البيان الذي سرنا عليه، فإن هذا العمل خاطئ.
أما إذا انعكست القضيّة؛ فكان الإنسان وليّاً ووصل إلى مقام الولاية، مثل السيّد الحداد رضوان الله عليه، فهل يمكن شرعاً تقليده كوليّ؟ لا يمكن التقليد؛ يجب على الإنسان تقليد المجتهد جامع الشرائط المحيط بالعلوم الإسلاميّة والشرع. نعم، النكتة هنا هي أنّ الولي قد يرشد الإنسان ويهديه قائلاً: «قلّد ذلك المجتهد»، وعندها يجب على الإنسان تقليده. لكنه لا يمكنه تقليد السيّد الحداد مباشرة؛ لأنّ السيّد الحداد بحسب الظاهر لا يملك العلم الظاهر وعلم الشرع، وهو نفسه يقلّد مجتهداً. يجب أن نحافظ على هذه المراتب ولا نخلط بينها؛ فكلّ منها محفوظ في مكانه. لذلك، فإنّ ما نسمعه من قولهم: «أي وليّ سلّمت له، فيجب أن تقلّده »، هو من ترّهات التاريخ! يقولون: «هل يمكن للإنسان أن يسلّم لأستاذ ويقلّد غيره؟!» هذا كلام تافه جدّاً! ما معنى هذا؟! كلّ شيء له حساب؛ يجب أن يُحرز للإنسان في مقام العمل أنّ هذا الأستاذ يملك أهليّة التقليد أم لا. فدين الله ليس هزلاً ولا أضحوكة.
