
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
ما هو شرط المعرفة الحقيقية؟ لماذا يقصر الناس عن إدراك حقيقة الأولياء؟ ما هي فلسفة الجهاد في الإسلام وهل هي إكراه في الدين؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة عن تلك الأسئلة، من خلال حديثه حول فقرة بك عرفتك وأنت دللتني عليك من دعاء أبي حمزة الثمالي.
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
4ومن جهة أخرى، بما أنّ هذا الانتفاع والتمتّع والنصيب لا يتيسّر للأفراد بدون البذل والإنفاق والإيثار، فإنّ هذا الرجل مضطرّ لأن يوصلهم إلى مطالب ونصيب عن طريق تكليفهم بالإيثار وتطليفهم بالإنفاق، وهو في قبال هذا الإنفاق والإيثار الذي يقومون به يمنحهم الجود. الجود هو تلك الإفاضات التي يقوم بها، وتلك النعمة التي يقسّمها، وتلك الحركة التي تحصل لهم بواسطة هذا الجانب الجلاليّ.
الآن أسألكم: هل بالنسبة لمثل هذا الفرد، إعطاء المال لهؤلاء الأفراد أسهل أم الأخذ منهم؟! ذاك الإعطاء أسهل بمائة مرّة! إعطاء المال ليس شيئًا ولا مشقّة فيه؛ يقول: «تفضّل يا سيّد، هذه مائة ألف تومان أو هذا المليون لك، خذه واذهب».
كان أحد الأفراد في محضر السيّد الحدّاد رضوان الله عليه وقد غضب عليه السيّد ـ وهو انفسه الذي ذكر المرحوم الوالد العلامة اسمه في كتاب «الروح المجرّد» ـ، وكان المرحوم الوالد يرسل له كلّ شهر مبلغًا من إيران كمساعدة؛ ولم يكن يعلم بهذه القضيّة أحد غير واحد أو اثنين من الوسطاء، مثل الحاج عبد الجليل ـ حفظه الله ـ الموجود الآن في الكويت، وحتّى نحن لم نكن نعلم بذلك في ذلك الوقت.
بعد أن أصبح هذا الشخص مغضوبًا عليه من قِبل السيّد الحدّاد، قال ذلك الوسيط: «سيّدنا، هل تأذنون أن لا نعطيه هذا المبلغ الذي يرسله السيّد محمّد الحسين من طهران بعد الآن؟». فقال رضوان الله عليه: «أنا لا أريد أن يُقطع رزق أحد بسببي؛ لا يا عزيزي، ادفعوا له!». هو من تلك الجهة قَطَع (العلاقة الروحيّة)، ولكن من هذه الجهة يقول: «لماذا يُقطع رزقه؟! ما دام السيّد محمّد الحسين يرسل المال، فأعطوه إيّاه». هذه الحركة هي حركة الأولياء! الأولياء يتعاملون هكذا، ويجب علينا أن نتعلّم.
في النهاية، السلوك ـ هذه السين، واللام، والواو، والكاف ـ له معنى ومفهوم. هل هو مجرّد لقلقة لسان أم أنّه معنى يجب أن يوفّق الله الإنسان له لكي يعمل به؟!
إعطاء المال والإنفاق ليس شيئًا كبيرًا وليس مهمًّا؛ الصعوبة تكمن هنا، حيث يأتون ولأجل إيصال نفع لإنسان ما، يجبرونه على الإنفاق ويأخذون منه. هؤلاء العباد لا ينفقون على أنفسهم، بل يعطون لهذا وذاك. يأخذون من هذا وهو مسرور لأنّه أنفق؛ وهذا الوليّ وهذا العظيم يتقبّل منّة إنفاق الأفراد على نفسه ولا ينبس ببنت شفة. هذه المسألة مهمّة! يقول: «لا بأس، امنُن أنت عليّ بأنّك أنفقت!». وذاك يمنّ أيضًا قائلاً: «ذهبت وقدّمت للسيّد خمسمائة ألف تومان! ذهبت وخدمت السيّد بكذا وأخذته إلى المكان الفلاني!».
