
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
ما هو شرط المعرفة الحقيقية؟ لماذا يقصر الناس عن إدراك حقيقة الأولياء؟ ما هي فلسفة الجهاد في الإسلام وهل هي إكراه في الدين؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة عن تلك الأسئلة، من خلال حديثه حول فقرة بك عرفتك وأنت دللتني عليك من دعاء أبي حمزة الثمالي.
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
3المعرفة تتناسب مع السعة الوجوديّة للعارف
ولكنّ النكتة الموجودة هنا والتي يجب أخذها بعين الاعتبار هي: أنّ المعرفة التي يحصّلها هذان تجاه بعضهما، تكون بناءً على تلك القوى والاستعداد والتفكّر والبصيرة التي يمتلكها كلّ واحد منهما عن الآخر. فعلى سبيل المثال، الطفل الذي يأتي إلى هنا، مُدركاته هي مجرّد مدركات الطفولة والصبا، ولا يمكنه أبدًا أن يطّلع على مدركات وخصوصيّات وأحوال إنسان كبير يمتلك العلوم والتجربة والصفات؛ لأنّ وعاءه وسعته الوجوديّة محدودة، وخصوصيّات هذا الطفل هي خصوصيّات لا تسمح له بإدراك ما هو أكبر من سعته الفكريّة وسعة صدره.
عندما يأنس شخص بصديق، فإنّه يطّلع على أحواله وخصوصيّاته في حدود أفكاره هو، لا أكثر؛ أي أنّنا نقول إنّ هذا قد حاز هذه المرتبة من العرفان والمعرفة بذاك بمقدار ما حصل من وحدة بين ما يملكه هو من السعة والقابليّة وبين ما هو موجود في وجود ذاك.
عدم فهم الناس لكيفيّة جود وعطاء أولياء الله
على سبيل المثال، يأتي إنسان ويأنس ويُصاحب حاتم الطائي الذي هو جواد وكريم جدًّا. ولأنّ معنى الجود والكرم كامن وموجود في وجود هذا المصاحب، فإنّه يحصل على اطّلاع ومعرفة بجود حاتم الطائي وكرمه؛ ولكنّ الكلام في أنّه يكتسب معرفة بحاتم الطائي بالمقدار الذي يملك هو فيه القابليّة والاستيعاب للإدراك.
فمن الممكن أن يمارس حاتم هذا نوعًا من الجود والعطاء لا يطّلع عليه هذا الرجل ولا يفهمه أصلاً؛ لأنّ هذا الرجل ليس في تلك السعة ليفهم هذه المطالب. هذا الرجل يرى معنى الجود والكرم في «الإعطاء» ويجده فيه؛ على سبيل المثال أن يُعطي قطعة السكّر هذه لهذا. أمّا أن يأخذ حاتم الطائي السكّر منه، فلا يراه جودًا، بل يراه خلاف الجود؛ في حين لو وصل الإنسان إلى هذه النكتة، لأدرك أنّه ربّما يكون أخذ السكّر من أحد أصعب بكثير من إعطاء السكّر، وأنّ عُشر الجود والكرم الموجود في القبض والأخذ لا يوجد في «الإعطاء».
لأنّه يسير في أفق ومراحل لا يريد فيها أصلاً أن يتحدّث أو يتواصل مع شخص في تلك المراتب والمراحل، ويريد أن يكون دائمًا في نفسه، ومتوجهًا دائمًا لنفسه ولأحواله. فهذا الإنسان يسير هناك، ثمّ يُنزّل نفسه ويقوم للتحدّث والمؤانسة مع مختلف الأفراد وينشغل بالمعاشرة والمراودة. هذه المعاشرة والمراودة هي عبارة عن ذلك العطاء الذي يقدّمه للناس، ويضع نفسه في اختيار الأفراد وفي متناولهم ليأتوا ويستفيدوا منه وينتفعوا ويتمتّعوا؛ والأولياء هكذا.
