
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
ما هو شرط المعرفة الحقيقية؟ لماذا يقصر الناس عن إدراك حقيقة الأولياء؟ ما هي فلسفة الجهاد في الإسلام وهل هي إكراه في الدين؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة عن تلك الأسئلة، من خلال حديثه حول فقرة بك عرفتك وأنت دللتني عليك من دعاء أبي حمزة الثمالي.
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين
واللعنة الأبديّة الأزليّة على أعدائهم ومخالفيهم
ومنكري فضائلهم أجمعين، إلى يوم الدين
معرفتك بالناس تتناسب مع مستوى الوحدة معهم
«بِكَ عَرَفتُكَ وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ ودَعَوتَني إلَيكَ، ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ».۱
ذُكر في المجلس السابق أنّ الوحدة لازمة للعرفان والمعرفة بأيّ شيء. والمقصود بالعرفان ليس هذا العرفان الإلهيّ فحسب، بل العرفان بمعناه الواسع، أي المعرفة، حتّى لو كان للإنسان عرفان ومعرفة بصديقه. هذه المعرفة لا تتحقّق أبدًا بدون وحدة؛ فما دامت الاثنينيّة والغيريّة باقيتين، لا تحصل المعرفة.
وبيّنتُ أنّه ما دام الاثنان لم يريا بعضهما، فلا معرفة لهما ببعضهما؛ فهذه المعرفة تحصل للأفراد عندما يقتربون من بعضهم ويأنسون ببعضهم. فإذا كان الإنسان في هذا الطرف من الأرض وآخر في الطرف الآخر، فلا معرفة لهما ببعضهما ولا خبر لهما عن بعضهما أصلاً.
هذه الأمور التي أطرحها عليكم الآن، هي المعنى الشريف لهذه الفقرة المباركة من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، والتي يُطرح فيها «برهان الصدّيقين» بشكل آخر؛ وإن كانا ليسا غير مرتبطين ببعضهما، وهذا ما يؤخذ بنظر الاعتبار هنا. وطبعًا، إذا وفّق الله تعالى، سأبيّن المزيد في الليالي القادمة.
بعض هؤلاء التجّار يكونون في طرف والواسطة التي يتعاملون معها في الطرف الآخر من الأرض، ويقضون عمرًا في الأخذ والعطاء والتعامل التجاريّ مع بعضهم، لكنّهم لم يروا بعضهم أبدًا. أي لو وقفوا أمام بعضهم لما عرفوا بعضهم، لأنّهم كانوا يتحدّثون عبر الهاتف فقط؛ هذا يرسل البضاعة من هنا، وذاك يرسل البضاعة لذاك من الطرف الآخر للأرض. كلّ معرفة هؤلاء تنحصر فقط في المكالمة الهاتفيّة، ولا يملكون معرفة أخرى، مثلًا كيف هو شكله؟ وكيف هي هيأته؟ وما هي خصوصيّاته؟ لا يعلمون وليس لديهم خبر أصلاً.
بعد ذلك يأتي هؤلاء ويقتربون من بعضهم ويأنسون ببعضهم ويطّلعون على أحوال بعضهم، مَن هو هذا؟ ما هي عائلته؟ مَن هم أبوه وأمّه وأجداده؟ هذه كلّها معرفة. وللمعرفة مراتب، وهذه أدنى مراتب المعرفة. وحين يأنسون ببعضهم أكثر شيئًا ما ويطّلعون على خصوصيّات بعضهم، فمثلًا هل هذا بخيل أم جواد وكريم؟ هل هو بشوش وحسن الخلق أم سيّء الخلق ومنقبض جدًّا؟ هل فكره جيّد أم فكره قاصر؟ وحالاته النفسيّة والروحيّة هي كذا وكذا؛ فتتّضح لهم هذه الخصوصيّات شيئًا فشيئًا بواسطة الارتباط.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٨٢، فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي.
