
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
ما هو شرط المعرفة الحقيقية؟ لماذا يقصر الناس عن إدراك حقيقة الأولياء؟ ما هي فلسفة الجهاد في الإسلام وهل هي إكراه في الدين؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة عن تلك الأسئلة، من خلال حديثه حول فقرة بك عرفتك وأنت دللتني عليك من دعاء أبي حمزة الثمالي.
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
12أمّا ذلك الذي يذهب ويدخل في مرتبة علميّة ويرى أنّ ذلك العلم موجود في القرآن، يقول: هذه الآية لا تتعلّق بالأحكام الظاهريّة. الذي يصل لعلم آخر ويراه في القرآن أو يذهب لعوالم أعلى ويرى القرآن هناك، يقول: هذه الآيات لا تتعلّق فقط بالأحكام، بل شملت جميع المراتب الوجوديّة.
إذن لازم الوصول والمعرفة بشيء، هو وحدة الأفق بين هذا الشيء والشيء الآخر. يجب أن يتّحد الأفق، ولو لم يتّحد الأفق، فلا يمكن أبدًا أن يصل إلى ذلك الشيء ويعرفه. إذا أردتُ أن أعلم في أيّ مرتبة من العلم تقع أنت، يجب أن أكون أنا واجدًا لنفس تلك المرتبة من العلم؛ إن لم أكن واجدًا لها، فلن أعلم في أيّ مرتبة أنت. أعلم شيئًا إجمالاً، لكن الإجمال ليس معرفة وعرفانًا. أن أعلم إجمالاً مثلاً أنّه إنسان، له رِجلان، يتنفّس، بشر، أو أعلم إجمالاً أنّ لدينا إلهًا؛ حسنًا سلُمت يداك، شكرًا؛ أمّا أن أعلم كيف هو هذا الإله وما هو نحو وجوده وكيفيّته، وفي أيّ مرتبة من المعرفة هو! يجب على الإنسان أن يلمس تلك المرتبة من المعرفة.
لماذا كان النبيّ الأكرم يدعو الأفراد للإسلام وللهداية هكذا؟ لأنّ النبيّ الأكرم لمس لذّة لقاء الله، ليس مثلنا نقرأ من الكتاب؛ ولذا هو حريص جدًّا على الهداية: ﴿لَقَد جَآءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم﴾۱. حريص عليكم، لأنّه لمس هذه اللذّة.
فلو لم يلمس، لصعد المنبر مثل ذلك الخطيب ولم يفرق عنده إن كان الميّت امرأة أو رجلاً؛ هو قد لمس حلاوة ذلك الدرهم والدينار الذي يريد الوصول إليه، ولذا لو نعس الناس عند منبره أيضًا، يقول: «نعسوا فلينعسوا، ناموا فليناموا، تحدّثوا فليتحدّثوا، لا مشكلة لديّ!».
أمّا الخطيب الذي يصعد المنبر ويريد من الناس أن يفهموا كلامه ويستفيدوا، فإذا نعس أحد تحت منبره، يقول: «يا فلان لماذا تنعس؟! قم واذهب وانعس في بيتك؛ أنا لم أكن عاطلاً لآتي وأقول هذا الكلام! كان لديّ عمل، أنا تعبت لأجل هذه المعارف التي أنقلها!». لأنّه مشفق، لا ينتظر المال والدرهم والدينار، يريد من الموجودين هنا أن يفهموا الأمر؛ إن كانوا لا يريدون الفهم، يقول: لديّ عمل؛ أذهب لحياتي وعملي وشؤوني، لماذا آتي إلى هنا؟!
- سورة التوبة (٩) الآیة ١٢٨.
