
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
ما هو شرط المعرفة الحقيقية؟ لماذا يقصر الناس عن إدراك حقيقة الأولياء؟ ما هي فلسفة الجهاد في الإسلام وهل هي إكراه في الدين؟ يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة عن تلك الأسئلة، من خلال حديثه حول فقرة بك عرفتك وأنت دللتني عليك من دعاء أبي حمزة الثمالي.
تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة
11فإن أراد أحد أن يصل لمسألة ما، يجب أن تكون هذه المسألة متحقّقة في وجوده؛ وإلّا فلا يمكنه الوصول ولا يفهم وليست لديه معرفة. الذي يمكنه إدراك ألم الفاقد لولده هو من فَقَد ولده؛ هو يمكنه أن يدرك، وإلّا فلا. الذي يمكنه أن يطّلع على مصيبة صاحب المصيبة وتكون له معرفة بها هو من وقعت له مصيبة نظيرتها.
«لو كان في عزاء مائة نائحة...» معناه هو هذا، أنّه يأتي مائة نائحة ويقرأن، لكن أيًّا من هذا العزاء والنوح لا روح له ولا حقيقة ولا أصالة؛ ولكن آهة واحدة من الثكلى لها أثر؛ لأنّ كلام أولئك ظاهر وشعار، وليست الثكلى كالمستأجرة.
آيات القرآن الكريم لأنّها عين الحقيقة وعين الواقع، فلها أبديّة وهي تبعث الحياة دائمًا. في أيّ مرتبة من المراتب المعنويّة كنتم، فالقرآن الكريم وآياته معكم. على سبيل المثال آية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ كَانَت لَهُم جَنَّـٰتُ ٱلفِردَوسِ نُزُلًا﴾۱ هي مع من هو في مرتبة الظاهر، ومع من هو في مرتبة المثال، ومع من هو في الملكوت، ومع من هو في الجبروت.٢
للذي هو في مرتبة الظاهر، تقول: لا تكذب، لا تغتب، لا تتّهم، لا تزنِ ولا ترتكب الفاحشة! هو لا يعرف من ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾ إلّا هذا: أن أنفق، وصلّ و...؛ أمّا ذلك الذي يصعد لمرتبة أعلى، فيفهم من ﴿ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾ شيئًا آخر، ويفهم من ﴿جَنَّـٰتُ ٱلفِردَوسِ﴾ شيئًا آخر؛ وكذلك ذلك الذي هو أعلى وفي الملكوت، يفهم شيئًا آخر؛ وهكذا من يكون في مرتبة الجبروت.
في أيّ رتبة كنتم، ستفهمون من هذه الآية معنى خاصًّا؛ لأنّ لهذه الآيات حضورًا عينيًّا في جميع المراتب الوجوديّة. إلى أيّ مرتبة وصلتم، فقد وصلتم لهذه الآية واتّحدتم مع هذه الآية هنا. حتّى الآن كنتما اثنين؛ أنتم كنتم في هذه المرتبة وهذه الآية كانت في تلك المرتبة. أي في نفس مرتبتكم كانت لديكم وحدة مع تلك الآية، لكن بالنسبة للمرتبة الأعلى كانت لديكم اثنينيّة وغيريّة ولم تكونوا تفهمون؛ ولو قالوا لكم، لما قبلتم وقلتم: ما هذا الكلام؟! كلّ هذا الكلام أباطيل، والقول بأنّ آيات القرآن تدلّ على كلّ شيء أباطيل! آيات القرآن هي فقط آيات الأحكام والشرع وتتعلّق فقط بالمسائل الاجتماعيّة، وآية ﴿وَلَا رَطب وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰب مُّبِين﴾٣ كلّها تتعلّق بالأحكام الظاهريّة.
- سورة الكهف (١٨) الآية ١٠٧.
- قال المرحوم العلاّمة الطهراني في كتاب معرفة الله ج۱ ص ۱٦۸: اعلم أن العوالم الكلّيّة هي خمسة:
الأوّل: عالم الذات، و هو ما يطلقون عليه باللاهوت و الهويّة الغيبيّة، و الغيب المجهول، و غيب الغيوب، و عين الجمع، و حقيقة الحقائق، و مقام أو أدنى، و غاية الغايات، و نهاية النهايات، و الأحديّة.
الثاني: عالم الصفات، و هو ما يطلقون عليه بالجبروت، و برزخ البرازخ، و البرزخيّة الاولى، و مجمع البحرين، و قاب قوسين، و محيط الأعيان، و الوحدانيّة، و العماء.
الثالث: عالم الملكوت، و يسمّونه كذلك عالم الأرواح، و عالم الأفعال، و عالم الأمر، و عالم الربوبيّة، و عالم الغيب و الباطن.
الرابع: عالم المُلك، و يطلقون عليه كذلك عالم الشهادة، و العالم الظاهر، و عالم الآثار، و الخلق، و المحسوس.
الخامس: عالم الناسوت، و يطلقون عليه كذلك الكون الجامع، و العلّة الغائيّة، و آخر التنزّلات، و مَجْلَى الكلّ. - سورة الأنعام (٦) الآية ٥٩.
