
علاقة العلم الحقيقيّ بذات الحقّ تعالى
الشيطان أستاذ الجميع: خطر العلم بلا تزكية
هل ما نملكه في هذه الدنيا حقيقيّ أم مجازيّ؟ وكيف يخدعنا السراب الدنيويّ من مالٍ وجاهٍ وعلم؟ وما هي القصص العجيبة التي يرويها الأستاذ عن كبار العلماء وكيف فقدوا ذاكرتهم في لحظة؟ وهل يُعقل أن يكون الشيطان فقيهًا وعارفًا بأساليب السلوك؟! تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدَّس الله سرَّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً عن جوهر العلم الحقيقيّ الذي يربط الإنسان بالله، ومحذّرةً من مكائد النفس والشيطان التي تتربّص حتّى بالأنبياء.
علاقة العلم الحقيقيّ بذات الحقّ تعالى
7حينما ينسى الفقيهُ طريقَ منزله!
كلّ هذه الأمور مجاز. وعليه، لو أراد إنسان أن يصل في هذه الدنيا للحقيقة والواقع ـ الذي لا يزول عنه أبدًا ـ فيجب أن يسعى خلف المعرفة!
حتّى هذه العلوم مجاز أيضًا. "الوحيد البهبهانيّ" مع عظمته وتلك المرتبة العلميّة التي كانت لديه، حصل له نسيان في آخر عمره، فارتقى المنبر وأعلن: أيّها الناس، أنا أعيش أواخر عمري، وقد حصل لي نسيان ولا أستطيع استخراج الفتاوى من مبانيها، فراجعوا تلميذي السيّد مهدي بحر العلوم!
لو كانت لهذه العلوم حقيقة، فلماذا فقدتها؟! إذن هي مجاز أيضًا.
وكذلك حصل النسيان للميرزا حبيب الله الرشتيّ، ذلك الذي كان بحرًا من العلم والفقه والأصول، والذي انتقلت إليه [رئاسة] الحوزة العلميّة بعد الميرزا الشيرازيّ الكبير (الميرزا حسن)؛ لأنّ هذا الأخير جاء لسامرّاء وبقي هو في النجف. كان أحد التلاميذ الثلاثة المبرّزين للشيخ الأنصاريّ، وتصدّى للتدريس بعده. كان رجلاً عجيبًا في الفقه والأصول وله تضّلع كبير فيهما. يكتبون في أحوال المرحوم الحاجّ الميرزا حبيب الله الرشتيّ أنّه: أُصيب بالنسيان في أواخر عمره، لدرجة أنّه كان ينسى منزله. كان حينما يأتي للحرم، يُمسك بيده فحمةً، ويضع علامة بواسطتها على رأس الزقاق ليعرف أنّ هذا زقاقه؛ وعندما يعود من الحرم، كان يشكّ هل هو من وضع علامة الضرب ( X ) هذه أم وضعها شخص آخر.
هذه من آيات الله وعلاماته، الميرزا حبيب الله الذي كان يقول يومًا: مات الشيخ وكان معه ثلاثة أشياء: كان لديه علم فأودعه عندي (كان لديه هذا الغرور العلميّ حينها)، وكانت لديه رئاسة فأودعها عند الميرزا حسن الشيرازيّ، وكانت لديه تقوى فأخذها معه.۱
شخص كهذا يدّعي: «أنا حملت علم الشيخ الأنصاريّ»، ينسى الخطّ الذي رسمه بالفحم بنفسه هل هو له أم لا! لذلك، فإنّ هذا مجاز. إن كان قد استفاد من علمه استفادة حقيقيّة، فذلك المقدار الذي يقع في طريق الحقّ هو الحقّ ويبقى له، وإلاّ فذلك لا يبقى أيضًا.
العلم الحقيقيّ: ما دلّك على ذات الحقّ تعالى
هناك آية عجيبة جدًا تقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.٢ هذه الآية من أدقّ الآيات التوحيديّة في القرآن وألطفها وأعجبها، حيث يوجد فيها جمعٌ بين عالم الوحدة والكثرة، وإثباتٌ لحقّانيّة الارتباط بين الوحدة والكثرة وأنّ ذلك هو الحقّ والباقي باطل؛ وهذا ما يُسمّى بالحقيقة.
- مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٣، ص ٣٣٥.
- سورة الرعد، الآية ۱۷.
