
علاقة العلم الحقيقيّ بذات الحقّ تعالى
الشيطان أستاذ الجميع: خطر العلم بلا تزكية
هل ما نملكه في هذه الدنيا حقيقيّ أم مجازيّ؟ وكيف يخدعنا السراب الدنيويّ من مالٍ وجاهٍ وعلم؟ وما هي القصص العجيبة التي يرويها الأستاذ عن كبار العلماء وكيف فقدوا ذاكرتهم في لحظة؟ وهل يُعقل أن يكون الشيطان فقيهًا وعارفًا بأساليب السلوك؟! تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدَّس الله سرَّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً عن جوهر العلم الحقيقيّ الذي يربط الإنسان بالله، ومحذّرةً من مكائد النفس والشيطان التي تتربّص حتّى بالأنبياء.
علاقة العلم الحقيقيّ بذات الحقّ تعالى
5لدينا روايات تقول: «من أفشى سرّ أحدٍ، أفشى اللهُ سرَّه».۱ لقد رأيتُ النتيجة العمليّة لهذه الرواية بعينيّ خلال هذين العامين.. رأيتُها بهاتين العينين الظاهرتين، لا الباطنيّتين، حيث رأيتُ أفرادًا أفشوا سرّ أخيهم المؤمن وأفصحوا عن أمر لم يكن يعلمه أحد، فانفضح سرُّهم أيضًا أمام الآخرين.
قصّة المسيح والكلب الميّت: درسٌ عمليّ في السلوك
يا عزيزي، إنّ الروايات والتعاليم الشرعيّة هي عبارة عن روايات [وتعاليم] سلوكيّة. نحن نتخيّل أنّ السلوك له معنىً غريب وعجيب وهو عبارة عن أمور خاصّة واستثنائيّة ومسائل معقّدة و ... ، وأنّه حينما يُصبح الشخص سالكًا، ينفصل حسابه وكتابه عن الناس، ويُصبح أعلى من البقيّة ببون شاسع، وأنّه: صرنا سالكين، فلا ينبغي أن ننظر للشريك، والغريب، والبقّال، وقصّاب المحلّة، والخبّاز ونحوهم!
لا يا عزيزي، لا شيء من هذا الكلام! السالك عبارة عن القلب الطاهر والقلب الخالي من الغلّ والغشّ، والسلوك عبارة عن حفظ أسرار الناس، والسلوك عبارة عن صيانة ماء وجه الناس وعِرضهم، والسلوك عبارة عن الوحدة وعدم الاختلاف، والسلوك عبارة عن الانسجام، والسلوك عبارة عن الدفء والمودّة، والسلوك عبارة عن العمل بما أوصانا به العظماء. يُطلقون على هذا اسم "السلوك"، ولكن ماذا نفعل نحن الآن؟!
جاء في الروايات: كان السيّد المسيح على نبيّنا وآله وعليه السلام يمرّ من مكان، فرأى كلبًا ميّتًا قد تعفّن، فقال أحدهم: «لمَ هو هكذا...؟!»، وقال آخر: «لمَ هو كذلك...؟!». فالتفت إليهم السيّد المسيح وقال: «انظروا ما أجمل بياض أسنانه!».٢ هذا ما يُسمّى بالسلوك! والسيّد المسيح يُعلّم تلامذته السلوك.
أنا أعترف هنا أنّنا طوال هذه المدّة، اتّخذنا النقطة المقابلة للسلوك تمامًا؛ أي أنّ السلوك يذهب لهذا الطرف، ونحن نذهب من ذاك الطرف تمامًا؛ فالسلوك يتّجه نحو الصدق، ونحن نتّجه نحو الكذب والدجل تمامًا، والسلوك يتّجه نحو الوحدة، ونحن نتّجه نحو الاختلاف تمامًا، والسلوك يذهب لحفظ العِرض والأمانة، ونحن نذهب للخلاف ولإفشاء السرّ تمامًا.
كلّ هذه المسائل التي أذكرها هي بناءً على مبنى السلوك، ولا فرصة لديّ لنبحثها واحدًا تلو الآخر. وكما نُقل عن المرحوم الشيخ الأنصاريّ الهمدانيّ حينما سُئل: «ما هو السلوك؟» قال: «العمل بالأحكام الخمسة: الوجوب، الحرمة، الكراهة، الاستحباب [والإباحة]». هذا ما يُسمّى بالسلوك. والجلوس، وترديد "يا هو"، وقراءة دعاء الجوشن والذكر اليونسيّ، وقول "لا إله إلاّ الله"، وامتلاك السرّ والقلب والظاهر واللسان و ...، كلّها مقدّمة للوصول إلى هذه المباني.
- المؤمن، ص ٦٩، مع اختلاف يسير.
- راجع: مجموعة ورّام، ج۱، ص ۱۱۷.
