
فطرة الإنسان تقتضي طلب العلم والمعرفة
الإنسان موجود عقلانيّ لا شهوانيّ
هل خُلق الإنسان للشهوة أم للمعرفة؟ وما الفرق الجوهريّ بينه وبين العجماوات؟ وكيف تتحوّل الوسائل في حياتنا ـ كالطعام والزواج والرياضة ـ إلى أهداف تُعمي البصيرة؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن محوريّة العقل في حركة الإنسان التكامليّة، وتنتقد بشدّة غلبة الإحساسات والمظاهر على المجتمعات البشريّة، مستشهدةً بقصص واقعيّة وآراء العرفاء الشامخين.
فطرة الإنسان تقتضي طلب العلم والمعرفة
4فالإنسان عقلانيّ لا شهوانيّ، أمّا الحيوان فهو شهوانيّ. بمعنى أنّ المبدأ الأساسيّ في خلقة الإنسان وفي المسائل التي بداخل نفسه والتي خلقه اللهُ تعالى عليها، هو بُعده العقلانيّ، لا إطفاء الشهوة والأكل والنوم.
إذن، هؤلاء الذين نراهم هم حيوانات، غاية الأمر أنّ الحيوانَ أنواعٌ وأصنافٌ؛ فلدينا حيوان بأربع أقدام، وبثلاث، وباثنتين! ولدينا حيوان بلا يد ولا قَدَم.. كلّ هؤلاء من الحيوانات. وقد ذكرتُ في المحاضرة السابقة أنّ الله تعالى يقول: ﴿أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾؛۱ فالله تعالى يُطلق على هؤلاء اسم "حيوان". وهذا يعني أنّ الله تعالى جعل المبدأ الأساسيّ في الإنسان كونه عقلانيًّا. وبناءً على قاعدة: «حقيقةُ الشيءِ بصورتِهِ لا بمادَّتِهِ»،٢ فإنّ حقيقة كلّ شيء هي ذلك البُعد المُميّز بينه وبين سائر الأنواع، والذي هو صورته النفسيّة والذاتيّة، لا ذلك الأمر المشترَك٣ بينه وبين البقيّة؛ فإذن، الإنسان يمتلك العقل، والبُعد الأساسيّ لديه هو هذا العقل.
الغاية من جعل الغرائز والشهوات في نفس الإنسان العقلانيّة
أمّا أنّ الله قد وضع الشهوة في الإنسان، فذلك لأنّه لولا هذه الحالة، لما كان هناك ازدياد في النسل. افترضوا أنّ شخصًا قد خُصي، فإنّه لن يميل أبدًا للجنس المخالف وسينقطع النسل منه؛ ولهذا، فإنّ بقاء النسل مشروط بهذه القوّة وهذه الغريزة. وكذلك، خلق اللهُ الإنسانَ بشكلٍ يميل فيه إلى الطعام؛ لأنّه لو لم يأكل، لمات، ولكنّ الكلام في أنّ الطعام هل هو واسطة للإنسان أم أصل؟ فرعٌ أم أصل؟ ذريعة أم له موضوعيّة؟
لماذا نأكل الطعام؟ هل لأجل الطعام نفسه، أم لأجل طعمه، أم لأجل المُتعة التي نجنيها من هذا الطعام؟ إن كان الأمر كذلك، فنحن لا نفرق عن الحيوانات؛ لأنّ الحيوان المفترس يبحث أيضًا عن الفريسة الألذّ. انظروا لقطّة المنزل، لو كان أمامها عدّة نماذج من الطعام، فإنّها تذهب وتأكل ما هو ألذّ لها. والحيوان حينما يصطاد حيوانًا آخر، يذهب أوّلاً لأمعائه وأحشائه، ثمّ حينما يفرغ منها، يذهب للحم وغيره؛ لأنّه يبحث عن الألذّ، حيث إنّ خلقة الحيوان هي للأكل ولإطفاء الشهوة.
أمّا خلقة الإنسان فليست لهذه الأمور، وما أُودع في الإنسان هو وسيلة وذريعة لاستمرار الحياة. إنّ المرء ليُفكّر أحيانًا: كم هو جيّد لو صُنعت أقراص يتناول الإنسان واحدةً منها كلّ أربع وعشرين ساعة، ولا يعود فمُه يتحرّك بهذا القدر ليأكل ظهرًا وليلًا وصباحًا، فيستبدل ساعة الغداء وساعة العشاء ونصف ساعة الإفطار بساعتين ونصف من المطالعة والدراسة.
- سورة الأعراف، الآية ۱۷٩
- راجع: الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية، ج ٤، ص ١٢٩؛ ج ٧، ص ٢٢٥؛ ج ٩، ص ٣٢؛ شرح المنظومة، ج ١، ص ٢٦٠.
- مثلاً، حينما يُعرّفون الانسان بأنّه حيوان ناطق (والمراد بناطق أنّه عاقل ويفكّر)، فإنّ الناطق هو الفصل المنطقيّ الذي يُميّز الانسان عن باقي الحيوانات المشتركة معه في الحيوانيّة. (م)
