
فطرة الإنسان تقتضي طلب العلم والمعرفة
الإنسان موجود عقلانيّ لا شهوانيّ
هل خُلق الإنسان للشهوة أم للمعرفة؟ وما الفرق الجوهريّ بينه وبين العجماوات؟ وكيف تتحوّل الوسائل في حياتنا ـ كالطعام والزواج والرياضة ـ إلى أهداف تُعمي البصيرة؟ تُجيبك هذه المحاضرة عن محوريّة العقل في حركة الإنسان التكامليّة، وتنتقد بشدّة غلبة الإحساسات والمظاهر على المجتمعات البشريّة، مستشهدةً بقصص واقعيّة وآراء العرفاء الشامخين.
فطرة الإنسان تقتضي طلب العلم والمعرفة
10في ليالي الثلاثاء، كانت تُقام جلسة قرآن في "مسجد القائم" بطهران؛ وبعدها، كان المرحوم العلاّمة يُلقي كلمةً؛ فإمّا يُفسّر [القرآن]، أو يتطرّق لبيان تلك الأحاديث القدسيّة: «يا عيسى...» ۱و٢ كم نحن متأسّفون لأنّه لم يبقَ من هذه المسائل أشرطة وكتابات حاليًا؛ وإن بقي شيء، فقد بقي في القلوب، وإلاّ فلا يوجد شيء منها مكتوب. أتذكّر بدقّة وكأنّي أرى الرفقاء الليلة، وهذه القضيّة ماثلة أمام عيني، حيث كانت ليلة ثلاثاء، وكان يتحدّث حول هذه الإحساسات، وكيف أنّ حكومة الإحساسات على البشر أقوى من العقل.
قصّة تأثير المظاهر والزيّ على نظرة الناس
كان يقول: أيّها الرفقاء، أنتم ترون هيأتي: هذه العمامة، وهذه اللحية، وهذه العصا السوداء من الأبنوس (خشبها هنديّ وأسود ومتين جدًّا)، وهذا النعل الأصفر، ووضعي هذا... حسنًا، حينما أدخل المسجد يقولون: «سيّدنا، سلام عليكم، سلام عليكم!»؛ وقبل أن أدخل، يقولون: «ارفعوا أصواتكم بالصلوات من أجل سلامة العلماء!»، واحد من هذا الطرف وواحد من ذاك الطرف، وتعال، واذهب، وانهض، وافسح الطريق، وافتح الممرّ...! حسنٌ جدًّا، هذه قضيّة.
والآن، لو أردتُ غدًا أن أغيّر شكل المسألة؛ فأضع هذه العمامة في البيت، وأخلع هذا القَباء والعباءة ونحوهما، وأضع العصا جانبًا، وآتي إلى المسجد بنعل خفيف وقميص وسروال؛ بل حتّى ليس بهذا اللباس العربيّ الطويل الذي أرتديه، بل هكذا آتي للمسجد وأصلّي، سينظر الناس إليّ ويقولون: «لقد فقد هذا السيّد عقله!». سيختفي ذلك الذهاب والإياب والصلوات وكلّ هذا الكلام. فيُصلّي أحدهم وحده فرادى، ويقول الآخر: «لماذا جاء السيّد هكذا؟! ولماذا هو هكذا؟!».
هذا، مع أنّ علمي لم يذهب، بل علمي في مكانه؛ والعلم لا يحطّ فوق رأس الإنسان بواسطة العمامة والقَباء، بل العلم في نفسي، ومعرفتي في مكانها، وانتسابي لأبي وأمّي في مكانه، والشيء الوحيد الذي حدث هو أنّني خلعتُ لباسي!
أو افترضوا مثلاً أنّني أقول: «لأحلق ذلك المقدار الزائد من لحيتي، وأقصّ ذلك المقدار المستحبّ منها وهو القبضة وأقصّرها»؛ حسنًا، فالعلم في مكانه، والانتساب في مكانه، والعقل ـ إن وُجد ـ في مكانه، وفقط الشكل والملامح قد تغيّرت. ولكنّ كلّ هؤلاء الناس سيرجعون، وقد رأيتم أنّهم رجعوا. حتّى نحن أنفسنا غارقون في الإحساسات. هذا، لأنّ الإنسان لا يُشغّل ذلك العقل الذي أعطاه اللهُ إيّاه ولا يستفيد منه.
- الكافي، ج ٨، ص ١٣١.
- للاطلاع على بعض هذه الجلسات، راجع: محاضرات مباني الاخلاق في الآيات والروايات.
