
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ
هَلْ زِمَامُ أُمُورِنَا بِأَيْدِينَا حَقًّا أَمْ هِيَ عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ؟ وَمَا هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ الحَقِيقِيِّ المُحِيطِ وَالتَّدْبِيرِ البَشَرِيِّ الاعْتِبَارِيِّ المَحْدُودِ؟ وَكَيْفَ شَخَّصَ ابْنُ سِينَا صِحَّةَ المِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ لِلإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ الطَّلَبِ؟ وَمَا هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي نَشْأَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ وَيُمَيِّزُهُ عَنِ الحيوانات؟ تُجِيبُكَ هَذِهِ المُحَاضَرَةُ لِسَمَاحَةِ آيَةِ اللهِ الحَاجِّ السَّيِّدِ مُحَمَّدْ مُحْسِن الحُسَيْنِيِّ الطِّهْرَانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، مُبَيِّنَةً حَقِيقَةَ العِلْمِ وَدَوْرَهُ فِي تَكَامُلِ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، وَكَيْفِيَّةَ الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُورِ المَعْرِفَةِ بِاللهِ.
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
9آب کم جو تشنگی آور بدست *** تا بجوشد آبت از بالا و پست۱ وَيَقُولُ أَيْضًا:
طبیب عشق مسیحا دمست و مشفق لیک *** چو درد در تو نبیند که را دوا بکند؟٢ عِنْدَمَا لَا أَتَأَلَّمُ أَكُونُ غَافِلًا عَنِ المَسَائِلِ، وَغَيْرَ مُلْتَفِتٍ لِلْقَضَايَا، فَـ"عَدَمُ الأَلَمِ" هُوَ الأَلَمُ الأَكْبَرُ، وَهُوَ الوَجَعُ الأَعْظَمُ. ومَنْ لَا يَشْعُرُ بِالحَاجَةِ فِي نَفْسِهِ لَا يَسْعَى نَحْوَ الهِدَايَةِ. ولَوْ كُنَّا مُلْتَفِتِينَ إِلَى فَقْرِنَا وَبُؤْسِنَا وَعَجْزِنَا، فهَلْ كُنَّا لِنَقِفَ مَكْتُوفِي الأَيْدِي هَكَذَا؟! هَلْ يُعْقَلُ ذَلِكَ؟!
إِنَّ المَوْجُودَ فِي هَذَا العَالَمِ يَطْلُبُ العِنَايَةَ وَالمَدَدَ مِنْ وُجُودِ اللهِ دَائِمًا وَأَبَدًا، إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الكَمَالِ المُطْلَقِ، فَذَاكَ شَأْنٌ آخَرُ. وَلَكِنْ مَا دَامَ الإِنْسَانُ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَةِ الكَمَالِ المُطْلَقِ، فَهَلْ يُمْكِنُهُ عَقْلًا -بِمَا هُوَ عَاقِلٌ- أَنْ يَقِفَ مَكْتُوفَ اليَدَيْنِ؟!
إِذَا وَقَفَ مَكْتُوفَ اليَدَيْنِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الجَانِبَ التَّكْوِينِيَّ وَالفِطْرَةَ هُنَا قَدْ أُصِيبَا بِخَدْشٍ.
تَشْخِيصُ ابْنِ سِينَا: مَتَى يَكُونُ "المِزَاجُ النَّفْسَانِيُّ" لِلإِنْسَانِ سَلِيمًا؟
وَهُنَا كَلَامٌ مَتِينٌ وَحَكِيمٌ جِدًّا لِابْنِ سِينَا، يَقُولُ: إِنَّ مِزَاجَ الإِنْسَانِ يَقْتَضِي العِلْمَ. مَا هُوَ العِلْمُ؟ العِلْمُ هُوَ كَشْفُ الحُجُبِ، هُوَ المَعْرِفَةُ.
لَيْسَ مِزَاجَ الأَمْعَاءِ وَالمَعِدَةِ وَالصَّفْرَاءِ وَالكَبِدِ، بَلِ المِزَاجُ النَّفْسَانِيُّ لِلإِنْسَانِ؛ فَنَفْسُ الإِنْسَانِ تَكُونُ فِي حَالِ صِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ عِنْدَمَا تَكُونُ طَالِبَةً لِلْعِلْمِ والمعرفة. وَلَا شَأْنَ لَنَا الآنَ بِنَوْعِ العِلْمِ.
مَتَى يَكُونُ المِزَاجُ البَدَنِيُّ صَحِيحًا؟ عِنْدَمَا لَا يَتَأَلَّمُ الإِنْسَانُ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وَلَا يَكُونُ كَسُولًا، وَيَكُونُ نَشِيطًا دَائِمًا؛ فهَذَا مِزَاجٌ سَلِيمٌ. وأَمَّا لَوْ مَرِضَ، وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَأَصَابَهُ الكَسَلُ وَالسُّقُوطُ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ المِزَاجَ لَيْسَ سَلِيمًا؛ فالغِذَاءُ وَالأُكْسِجِينُ لَا يَصِلُ لِلْخَلَايَا، وَالمِيكْرُوبُ قَدْ دَخَلَ البَدَنَ وَأَعَلَّهُ.
فكَذَلِكَ المِزَاجُ النَّفْسَانِيُّ لِلإِنْسَانِ -بِحَسَبِ تَعْبِيرِ ابْنِ سِينَا- يَكُونُ سَلِيمًا عِنْدَمَا يَكُونُ الإِنْسَانُ فِي طَرِيقِ الطَّلَبِ.
فلو رَأَيْنَا يَوْمًا أَنْ لَا رَغْبَةَ لَنَا فِي العِلْمِ، وَنَنْفِرُ مِنْهُ، وَنَقُول: "مَا هُوَ العِلْمُ؟ دَعْنَا نَجْلِسْ وَنَضْحَكْ وَنَتَحَدَّثْ وَنُمْضِ اللَّيْلَةَ كَيْفَمَا اتَّفَقَ"، سَوَاءٌ بِالحَدِيثِ عَنْ غَلَاءِ البِنْزِينِ، أَوْ رُخْصِ الدُّولَارِ، أَوْ أَحْوَالِ أَمْرِيكَا وَإِنْجِلْتِرَا، أَوْ الزِّلْزَالِ وَالبُرْكَانِ، وَغَلَاءِ البَضَائِعِ فِي السُّوقِ...
فلو رَأَيْنَا أَنَّ مَشْيَنَا وَمَرَامَنَا وَحَالَنَا هُوَ الابْتِعَادُ عَنِ العِلْمِ وَالسَّعْيُ لِتَقْطِيعِ العُمْرِ، فَلْنَعْلَمْ أَنَّ مِزَاجَنَا قَدِ اعْتَلَّ؛ أَيْ أَنَّ مِزَاجَنَا النَّفْسَانِيَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْحَثَ عَنِ العِلْمِ قَدْ خَرَجَ عَنِ صحّته.
- يقول:
لَا تَطْلُبِ المَاءَ كَثِيرًا بَلْ حَصِّلِ العَطَشَ *** حَتَّى يَنْبَعَ لَكَ المَاءُ مِنَ الأَعْلَى وَالأَسْفَلِ - ويقول أيضًا:
طَبِيبُ العِشْقِ نَفَسُهُ نَفَسُ المَسِيحِ وَهُوَ شَفِيقٌ، وَلَكِنْ *** إِنْ لَمْ يَرَ فِيكَ أَلَمًا، فَمَنْ يُدَاوِي؟
- يقول:
