
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ
هَلْ زِمَامُ أُمُورِنَا بِأَيْدِينَا حَقًّا أَمْ هِيَ عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ؟ وَمَا هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ الحَقِيقِيِّ المُحِيطِ وَالتَّدْبِيرِ البَشَرِيِّ الاعْتِبَارِيِّ المَحْدُودِ؟ وَكَيْفَ شَخَّصَ ابْنُ سِينَا صِحَّةَ المِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ لِلإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ الطَّلَبِ؟ وَمَا هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي نَشْأَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ وَيُمَيِّزُهُ عَنِ الحيوانات؟ تُجِيبُكَ هَذِهِ المُحَاضَرَةُ لِسَمَاحَةِ آيَةِ اللهِ الحَاجِّ السَّيِّدِ مُحَمَّدْ مُحْسِن الحُسَيْنِيِّ الطِّهْرَانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، مُبَيِّنَةً حَقِيقَةَ العِلْمِ وَدَوْرَهُ فِي تَكَامُلِ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، وَكَيْفِيَّةَ الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُورِ المَعْرِفَةِ بِاللهِ.
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
8أَنْتَ الآنَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ إِلَى إِبْرِيقِ المَاءِ هَذَا، يَتَوَجَّهُ نَظَرُكَ أَوَّلًا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الأَكْبَرُ، ثُمَّ تَأْتِي الأَقْدَاحُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي بِجَانِبِهِ فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ نَظَرِكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ الأَكْبَرُ يَأْتِي فِي النَّظَرِ أَوَّلًا. الإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَنْظُرُ إِلَى مَشْهَدٍ عَامٍّ، يَقَعُ بَصَرُهُ أَوَّلًا عَلَى الأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ، ثُمَّ الدَّقِيقَةِ، ثُمَّ الأَدَقِّ. وَكُلَّمَا زَادَتْ دِقَّةُ نَظَرِ الإِنْسَانِ، أَدْرَكَ أَشْيَاءَ أَدَقَّ.
أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَبِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِنَفْسِ المِقْدَارِ الَّذِي يَرَى فِيهِ الكَبِيرَ، يَرَى فِيهِ تِلْكَ الذَّرَّةَ المُعَلَّقَةَ فِي الهَوَاءِ، لَا فَرْقَ. أَيْ لَا يَسْبِقُ نَظَرُ اللهِ إِلَى الكَبِيرِ نَظَرَهُ إِلَى الصَّغِيرِ وَلَوْ بِمِقْدَارِ رَأْسِ إِبْرَةٍ. لِمَاذَا؟
لِأَنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا عِنْدَ اللهِ هُوَ بِالعِلْمِ الحُضُورِيِّ الوِجْدَانِيِّ، لَا بِالعِلْمِ الاكْتِسَابِيِّ.
وَهَذَا الزِّمَامُ يُسَمَّى الزِّمَامَ الحَقِيقِيَّ، «أَزِمَّةُ الأُمُورِ طُرًّا بِيَدِهِ».
شُعُورُ الاسْتِغْنَاءِ هُوَ لَحْظَةُ السُّقُوطِ: لِمَاذَا يُعَدُّ "عَدَمُ الأَلَمِ" الأَلَمَ الأَكْبَرَ؟
هَلْ حَدَثَ يَوْمًا أَنْ رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا مُسْتَغْنِينَ عَنْ عِنَايَتِهِ؟ هَلْ حَدَثَ؟
إِذَا رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا مُسْتَغْنِينَ عَنْ عِنَايَتِهِ فِي لَحْظَةٍ مَا، فَتِلْكَ اللَّحْظَةُ هِيَ لَحْظَةُ السُّقُوطِ. لِمَاذَا؟
لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَنَافَى مَعَ النِّظَامِ؛ فَالنِّظَامُ قَائِمٌ عَلَى الإحساس باحْتِيَاجِنَا، وَعَلَى الشعور فَقْرِنَا. إنّ البُرْهَانَ حَاكِمٌ بِفَقْرِنَا، فَإِذَا شَعَرْنَا بِالاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَبِالاسْتِغْنَاءِ عَنْ تَوْجِيهِهِ وَهِدَايَتِهِ [فقد سقطنا] ... دَقِّقُوا جَيِّدًا، مِنْ هُنَا نُرِيدُ الوُصُولَ إِلَى نُقْطَةِ "العِلْمِ". مَنْ هُوَ المُسْتَغْنِي؟ المُسْتَغْنِي لَيْسَ فَقَطْ مَنْ يَقُولُ بِلِسَانِهِ "أَنَا مُسْتَغْنٍ"، بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَتَوَجَّهُ (أي يَغْفَلُ)، فَهُوَ يَشْعُرُ بِالاسْتِغْنَاءِ أَيْضًا. فلِمَاذَا تَذْهَبُ إِلَى الطَّبِيبِ عِنْدَمَا يُؤْلِمُكَ رَأْسُكَ أَوْ قَلْبُكَ؟ لِأَنَّكَ تَشْعُرُ بِالحَاجَةِ. وهَلْ حَدَثَ أَنْ آلَمَكَ قَلْبُكَ فَقُلْتَ: "دَعِ الأَمْرَ، لَا يَهُمُّ"؟! يَا عَزِيزِي، عِنْدَمَا يُؤْلِمُكَ قَلْبُكَ تَصْرُخُ، وَعِنْدَمَا تُؤْلِمُكَ مَعِدَتُكَ تَصِيحُ، لَا يُمْكِنُكَ أَلَّا تَذْهَبَ، لَا تَسْتَطِيعُ. هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تَتَلَوَّى مِنْ أَلَمِ المَعِدَةِ وَتَقُولَ: "لِنَنْظُرْ مَاذَا سَيَحْدُثُ"؟ هَذَا يَتَنَافَى مَعَ وُجُودِ الأَلَمِ.
الَّذِي لَا أَلَمَ لَدَيْهِ يَقُولُ: "دَعْهُ"، أَوْ "لَيْسَ الآنَ، غَدًا".
إِذًا، مَنْ لَا أَلَمَ لَهُ لَا يَبْحَثُ عَنِ الطَّبِيبِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ لَدَيْهِ أَلَمٌ، فَلَا يُمْكِنُهُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ لَا مُبَالِيًا. كَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّامُبَالَاةِ وَبَيْنَ الأَلَمِ؟
بِنَاءً عَلَى هَذَا، مَنْ لَا يَمْلِكُ أَلَمًا يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّاعِرِ [الرُّومِيِّ]:
