
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ
هَلْ زِمَامُ أُمُورِنَا بِأَيْدِينَا حَقًّا أَمْ هِيَ عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ؟ وَمَا هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ الحَقِيقِيِّ المُحِيطِ وَالتَّدْبِيرِ البَشَرِيِّ الاعْتِبَارِيِّ المَحْدُودِ؟ وَكَيْفَ شَخَّصَ ابْنُ سِينَا صِحَّةَ المِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ لِلإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ الطَّلَبِ؟ وَمَا هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي نَشْأَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ وَيُمَيِّزُهُ عَنِ الحيوانات؟ تُجِيبُكَ هَذِهِ المُحَاضَرَةُ لِسَمَاحَةِ آيَةِ اللهِ الحَاجِّ السَّيِّدِ مُحَمَّدْ مُحْسِن الحُسَيْنِيِّ الطِّهْرَانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، مُبَيِّنَةً حَقِيقَةَ العِلْمِ وَدَوْرَهُ فِي تَكَامُلِ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، وَكَيْفِيَّةَ الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُورِ المَعْرِفَةِ بِاللهِ.
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
6فَهَلْ هُنَاكَ ملكٌ حَقِيقِيٌّ حَقًّا؟! وَهَلْ هَذِهِ الزمام الَّتِي بِأَيْدِينَا حَقِيقِيَّةٌ؟!
كَثِيرًا مَا يَتَعَلَّقُ أَهْلُ البَيْتِ بِمَنْزِلِهِمْ، وَفَجْأَةً يَسْقُطُ طِفْلُهُمْ فِي حَوْضِ المَاءِ وَيَغْرَقُ، فَيَقُولُونَ: هَذَا البَيْتُ لَمْ يَعُدْ مَيْمُونًا عَلَيْنَا، إِنَّهُ شُؤْمٌ، وَيَجِبُ أَنْ نَرْحَلَ مِنْ هُنَا. أَوْ يَرَى أَحَدُهُمْ مَنَامًا فَيُغَيِّرُ رَأْيَهُ.
مَا النُّقْطَةُ الَّتِي أرِيدُ الوُصُولَ إِلَيْهَا مِنْ هَذِهِ المَسَائِلِ؟
إِنَّ هَذَا الزِّمَامَ الَّذِي بِأَيْدِينَا هُوَ زِمَامٌ اعْتِبَارِيٌّ. وأَمَّا ذَلِكَ الَّذِي يُدِيرُ الأُمُورَ مِنَ الأَعْلَى، وَيُقَلِّبُ الأَحْوَالَ، فَمَنْ هُوَ؟ ذَلِكَ هُوَ الزِّمَامُ الحَقِيقِيُّ. والآنَ اتَّضَحَ أَنَّ الزِّمَامَ [الحَقَّ] هُوَ ذَاكَ. هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ وَيُغَيِّرُ، وَبِتَقْلِيبِهِ نَتَقَلَّبُ نَحْنُ. كَانَ الأَمْرُ لِهَذَا، وَصَارَ مِنْ بَعْدِهِ لِذَاكَ.
الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ تَدْبِيرِنَا القَاصِرِ وَتَدْبِيرِ اللهِ المُحِيطِ
أَمَّا فِي مَوْرِدِ زِمَامِ اللهِ المُتَعَالِ، فَالأَمْرُ حَقِيقِيٌّ؛ «أَزِمَّةُ الأُمُورِ طُرًّا بِيَدِهِ» تَعْنِي أَنَّ زِمَامَ كُلِّ أَمْرٍ بِالكَامِلِ هُوَ بِيَدِهِ. أَيْ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ أَيَّ فَرَاغٍ أَوْ خَلَلٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ. لَيْسَ الأَمْرُ بِحَيْث يوَجِّهُ إِلَى جِهَةٍ مَا وَيَغْفُلُ عَنْ جِهَاتٍ أُخْرَى، كَلَّا. بل عِنْدَمَا يُوَجِّهُ وَيَأْمُرُ قَائِلًا "افْعَلْ هَذَا"، فَإِنَّهُ يَضَعُ جَمِيعَ الجِهَاتِ المُتَرَافِقَةِ لِهَذَا الأَمْرِ فِي مَدِّ نَظَرِهِ. وعِنْدَمَا يَقُولُ لَكَ: "انْهَضْ وَسَافِرْ"، فَهَلْ يَنْسَى المَرِيضَ الَّذِي فِي بَيْتِكَ؟! بل إِنَّهُ يُدَبِّرُ أَمْرَهُ أَيْضًا.
نَقْدٌ عِرْفَانِيٌّ لِبَيْتِ السَّعْدِيِّ: هَلْ يَغْفُلُ القَضَاءُ الإِلَهِيُّ عَنْ سِرَاجِ العَجُوزِ؟
كَانَ المَرْحُومُ العَلَّامَةُ [الطِّهْرَانِيُّ] يَقْرَأُ شِعْرَ سَعْدِي هَذَا كَثِيرًا وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ. بِالطَّبْعِ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِبَيَانٍ مَا، وَلَكِنْ بِبَيَانٍ آخَرَ لَا، هُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّوْجِيهِ.
يَقُولُ سعْدِي:
قضا دگر نشود گر هزار ناله و آه *** به شکر یا به شکایت برآید از دهنی فرشتهای که وکیل است برخزائن باد *** چه غم خورد که بمیرد چراغ پیر زنی۱ يَقُولُ: القَضَاءُ لَا يَتَبَدَّلُ بِأَيِّ حَالٍ، حَتَّى لَوْ رَفَعَ أَلْفُ شَخْصٍ أَيْدِيَهُمْ بِالدُّعَاءِ أَوْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا.
لِأَنَّ كُلَّ قَضِيَّةٍ تَحْدُثُ فِي العَالَمِ، يَفْرَحُ بِهَا قَوْمٌ وَيَحْزَنُ بِهَا آخَرُونَ. أَرُونِي قَضِيَّةً وَاحِدَةً حَدَثَتْ فِي هَذَا العَالَمِ فَرِحَ بِهَا الجَمِيعُ أَوْ حَزِنَ لَهَا الجَمِيعُ؟
هَلْ تَعْرِفُونَ أَحَدًا أَعْلَى مِنَ النَّبِيِّ الأَكْرَمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ عِنْدَمَا ارْتَحَلَ النَّبِيُّ عَنِ الدُّنْيَا، هَلْ حَزِنَ النَّاسُ جَمِيعًا؟ كَلَّا يَا عَزِيزِي! بَلْ فَرِحَ كَثِيرُونَ وَقَالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ لَقَدِ ارْتَحْنَا مِنْهُ، لَنْ يَأْمُرَنَا وَيَنْهَانَا بَعْدَ اليَوْمِ! هَؤُلَاءِ هُمُ المُنَافِقُونَ! وَعِنْدَمَا ضُرِبَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَأْسِهِ، هَلْ حَزِنَ الجَمِيعُ لِهَذَا الأَمْرِ؟ كَلَّا، هُنَاكَ كَثِيرُونَ فَرِحُوا.
- يقول:
القَضَاءُ لَا يَتَغَيَّرُ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ فَمٍ *** أَلْفُ أَنَّةٍ وَآهَةٍ، شُكْرًا كَانَتْ أَمْ شِكَايَةً المَلَكُ المُوَكَّلُ بِخَزَائِنِ الرِّيَاحِ *** أَيَّ هَمٍّ يَحْمِلُهُ إِنِ انْطَفَأَ سِرَاجُ عَجُوزٍ؟)
- يقول:
