
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ
هَلْ زِمَامُ أُمُورِنَا بِأَيْدِينَا حَقًّا أَمْ هِيَ عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ؟ وَمَا هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ الحَقِيقِيِّ المُحِيطِ وَالتَّدْبِيرِ البَشَرِيِّ الاعْتِبَارِيِّ المَحْدُودِ؟ وَكَيْفَ شَخَّصَ ابْنُ سِينَا صِحَّةَ المِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ لِلإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ الطَّلَبِ؟ وَمَا هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي نَشْأَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ وَيُمَيِّزُهُ عَنِ الحيوانات؟ تُجِيبُكَ هَذِهِ المُحَاضَرَةُ لِسَمَاحَةِ آيَةِ اللهِ الحَاجِّ السَّيِّدِ مُحَمَّدْ مُحْسِن الحُسَيْنِيِّ الطِّهْرَانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، مُبَيِّنَةً حَقِيقَةَ العِلْمِ وَدَوْرَهُ فِي تَكَامُلِ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، وَكَيْفِيَّةَ الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُورِ المَعْرِفَةِ بِاللهِ.
العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ
3لَا مَعْنَى لِأَنْ يَكُونَ أَصْلُ الإِنْسَانِ وَحَقِيقَتُهُ مِنَ الوُجُودِ الحَقِّ، وَلَكِنَّ الكَمَالَاتِ المُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ بِإِرَادَةِ اللهِ! فَبِإِرَادَةِ مَنْ تَكُونُ إِذًا؟
عِنْدَمَا تَكُونُ حَقِيقَةُ شَيْءٍ مَا مُسْتَنِدَةً إِلَى الذَّاتِ الأَحَدِيَّةِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ وَالمَسَارَ الَّذِي يَطْوِيهِ هَذَا الشَّيْءُ لِكَمَالِهِ وَلِإِبْرَازِ مَرَاتِبِهِ وَإِظْهَارِهَا، هُوَ قَطْعًا مِنْ نَاحِيَةِ اللهِ تَعَالَى أَيْضًا، وَتَابِعٌ لِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
هَذَا هُوَ مَعْنَى «أَزِمَّةِ الأُمُورِ»؛ فَزِمَامُ كُلِّ أَمْرٍ هُوَ فِي يَدِ قُدْرَةِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ.
حَقِيقَةُ "الزِّمَامِ الاعْتِبَارِيِّ" الَّذِي بِأَيْدِينَا: مُلْكٌ زَائِلٌ وَعَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ
وَهَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ جِهَةٍ اعْتِبَارِيَّةٍ، كَمَا هُوَ الحَالُ اليَوْمَ حِينَ يَكُونُ زِمَامُ هَذَا الأَمْرِ، أَوْ هَذِهِ النَّاقَةِ، أَوْ الفَرَسِ، أَوْ المَرْكَبِ، أَوْ الحِمَارِ بِيَدِكَ، وَغَدًا يَكُونُ بِيَدِ غَيْرِكَ. فَهَذِهِ أَزِمَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ؛ اليَوْمَ أَنْتَ تَسُوقُ هَذِهِ السَّيَّارَةَ، وَغَدًا تُعْطِيهَا لِشَخْصٍ آخَرَ فَيَسُوقُهَا. إنّ سِيَاقَةَ هَذِهِ السَّيَّارَةِ اليَوْمَ بِيَدِكَ، وَغَدًا بِيَدِ آخَرَ؛ إنّ هَذِهِ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، فقط تَتَبَادَلُونَ الأَمَاكِنَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُؤَقَّتَةٌ. هِيَ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ وَالبُرْهَةِ لَكَ، وَفِي بُرْهَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ لَكَ. والسَّيَّارَةُ بَاقِيَةٌ فِي مَكَانِهَا وَأمّا السَّائِقُ فيَتَغَيَّرُ؛ يَمُوتُ هَذَا السَّائِقُ فَيَأْتِي سَائِقٌ آخَرُ يَرْكَبُ هَذِهِ السَّيَّارَةَ.
الأَمْرُ تَمَامًا مِثْلُ المَنَازِلِ؛ يَبْنِي الإِنْسَانُ هَذَا المَنْزِلَ وَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ مَالِكًا لَهُ، وَلَكِنْ هَذَا حُلْمٌ وَخَيَالٌ يَا عَزِيزِي! يَبْنِي هَذَا المَنْزِلَ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ لِآخَرَ، وَيُسَافِرُ هُوَ مِنْ هُنَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَذَلِكَ الشَّخْصُ أَيْضًا يَرْحَلُ مِنْ هُنَاكَ، وَالمَنْزِلُ لَا يَزَالُ فِي مَكَانِهِ. يَأْتِي الشَّخْصُ الثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَتَهَدَّمَ هَذَا البَيْتُ فَيُعَادَ بِنَاؤُهُ، وَتَتَكَرَّرُ القِصَّةُ. مَا هِيَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الأُمُورِ؟ إِنَّهَا اعْتِبَارِيَّةٌ.
هَذِهِ الزمام الَّتِي نَأْخُذُهَا بِأَيْدِينَا هِيَ زمامٌ اعْتِبَارِيَّةٌ: زِمَامُ السَّيَّارَةِ، زِمَامُ المَنْزِلِ، زِمَامُ الزَّوْجَةِ، زِمَامُ الوَلَدِ، وَحَتَّى زِمَامُ أَنْفُسِنَا! زِمَامُ أَنْفُسِنَا! مَنْ نَحْنُ أَصْلًا لِيَكُونَ لَنَا زِمَامُ أَنْفُسِنَا؟ كُلُّ هَذَا اعْتِبَارِيٌّ.
قِصَّةُ قَصْرِ الإِمَارَةِ: رُؤُوسٌ تَتَطَايَرُ وَمُلْكٌ لَا يَدُومُ
يُرْوَى أَنَّهُ فِي زَمَنِ الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، كَانَ أَحَدُ رِجَالِ الحَاشِيَةِ جَالِسًا فِي قَصْرِ الإِمَارَةِ بِالكُوفَةِ -وَفِي الوَقْتِ الَّذِي تَشَرَّفْنَا فِيهِ بِزِيَارَةِ العَتَبَاتِ، ذَهَبْنَا إِلَى هُنَاكَ وَرَأَيْنَا قَصْرَ إِمَارَةِ الكُوفَةِ، كَانَتْ بَقَايَا آثَارِهِ مَوْجُودَةً وَقَدْ تَهَدَّمَ، وَهُوَ القَصْرُ المَعْرُوفُ الَّذِي كَانَ لِعُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَمَنْ مَعَهُ- وَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ، وَإِذَا بِهِمْ يَضَعُونَ رَأْسَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَمَامَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَمَا إِنْ رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ حَتَّى امْتَقَعَ لَوْنُهُ وَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ!
