
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
7إذن، في سِياقِ الامتيازِ والقيمةِ، لا فائدةَ ولا نفعَ لازدياد الوزن، وإنّما نفعُ هذا الوزن الزائدِ هو لحالاتٍ خاصّةٍ، كأنْ يكونَ للغَنَمِ والبَقَرِ من أجلِ الاستفادةِ من لَحمِها. ولكنْ نرى أنّ هذا الوزنَ الزائدَ هو ضِدُّ القيمةِ ومُخالِفٌ للقيمةِ والقدْرِ بالنسبة لبعضِ الحيوانات. افترضْ أنّ حُسنَ الكلبِ الصائدِ يكمُنُ في ألّا يكونَ وزنُه زائدًا، بل يكونُ نحيفًا ليتمكّنَ من الركضِ والسّرعةِ، ولكنْ لو ظلّوا يُطعمونَهُ ويُسمنونَهُ، فلن يستطيعَ الركضَ خلفَ الغزالِ والقبضَ عليه. هذا كانَ يتعلّقُ بالوزنِ، فلا يُمكنُ أن يكونَ الوزنُ هو خصوصيّةَ التميّز بين الإنسان والحيوان. لأنّه، ليسَ الوزنُ بلا فائدةٍ وغيرَ نافع فحَسْب، بل هو مُضرٌّ، فالشخصُ السمينُ تُصيبُه أنواعُ الأمراضِ: ضيقُ العروقِ وانسدادُها، وضغطُ الدمّ، ومرضُ القلب، ومرضُ الكِلَى. كلُّ هذه الأمراضِ بسببِ السُّمنة. إذن، على الإنسانِ أن يلتزِمَ بالقواعدِ التي جاءَ بها الإسلامُ في هذا الأمرِ بِجِدّيّةٍ ودِقّةٍ.
كيف يوصي الإسلام بالصحّة الجسديّة؟ وماذا قال المرحوم الوالد العلامة؟
هناك روايةٌ تقول: «خَيرُ ما تداوَيتُم به المَشْيُ» هناك من يَقرأُها «المَشِيِّ» بكسرِ الشين، ويَقصِدُ به المُسهِل. ولكنَّها هنا «المَشْيُ» بِسكونِ الشين، أي الحركةُ والمشيُ والقَدَم. بِواسطةِ المشيِ تُدفَعُ السُّمومُ من الجسمِ، وتعملُ الأعضاءُ والجوارحُ، وبواسطة المشيِ على الإنسانِ أن يُرمّمَ ويُصحّحَ بَدنَه دائمًا. إنّ الجلوسَ في مكانٍ واحدٍ يُسبّبُ المرضَ للإنسان.
يقولون اليومَ: إذا جلَسْتُم في مكانٍ واحدٍ لمدّةِ ثلاثةِ أرباعِ الساعةِ، عليكم أن تقوموا وتتحرّكوا لمدّةِ رُبعِ ساعةٍ؛ إذ إنّ الجلوسَ في مكانٍ واحدٍ يُسبّبُ ترَسُّباتٍ في الدم. أو افترضْ أنّكَ تُبقي الماءَ ثابتًا في مَجرًى مائيٍّ، فهذا الماءُ بعدَ مدّةٍ يترسّبُ؛ وحتّى لو كانَ الماءُ مُتحرّكًا ولكنْ ببطءٍ، فإنّنا نرى أنّه في المكانِ الذي يُريدُ فيه الماءُ الدوَرانَ يترسّبُ شيئًا فشيئًا ويتجمّعُ. أو مِثالًا، لو نظَرْتَ إلى أنابيبِ التدفئةِ بعدَ مدّةٍ، ستَرى أنّ هذه الترسُّباتِ قد ضَيَّقتْ مَسارَ الحركة. كلُّ هذا بسببِ السكونِ. ولذلك يقولون: على الإنسان أن يقومَ بعدَ سكونِه، ويتحرّكَ لمدّةِ رُبعِ ساعةٍ. فهذه الحركةُ تجعلُ البدنَ يعملُ، وكأنّهُ يَتزيّتُ.
وإذا بقيَ الإنسانُ في مكانٍ واحدٍ، فَقَدْ تُؤدّي هذه الإفرازاتُ الموجودةُ في فُرَجِ الأعضاءِ والجوارحِ (خاصّةً في القَدَمين والمفاصل وأمثال ذلك) إلى ترَسُّباتٍ، وتُسبّبُ هذه الترسُّباتُ للإنسانِ متاعبَ؛ ولذلك يقولون: على الإنسانِ أن يتحرّكَ ويُمارسَ الرياضةَ! الرياضةُ أحدُ الأفعالِ والأعمالِ الواردةِ في الشّرعِ: علّموا أولادَكُم السِّباحةَ و الرّمایَةَ! فالسباحةُ من أفضلِ الرياضاتِ، لأنّ جميعَ البدنِ يكونُ في حالةِ حركةٍ، وركوبُ الخيلِ أيضًا من أفضلِ الرياضاتِ، وعلى الإنسانِ أن يركبَ الخيلَ. إنّ هذه الأمورَ كانوا يفعلونَها قديمًا، ولكنّها تُركتِ الآن.
