
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
6إنّ بين الإنسان وبقيّةِ الموجوداتِ نقاطَ اشتراكٍ، وهي: المادّيّة، والجسميّة، والنباتيّة، والحيوانيّة، والنُموّ، والتوالُد، والتناسُل، والازدياد، ودفْعُ المرض، وجَلْبُ الصّحةِ، وجَلْبُ المنافع. إذن، لا يُمكنُ أن تكونَ هذه الأمورُ هي القيمةَ والمِيزَة. فمثلًا، بين الإنسانِ والفيلِ نقاطٌ مُشتركةٌ، إحداها في الجسمِ؛ فالفيلُ مُكوّنٌ من لَحْمٍ، وعظْمٍ، وبَشَرَةٍ، ودَمٍ، وأسنانٍ، وكذلك الإنسانُ، لهُ لَحْمٌ وعَظْمٌ ودَمٌ. إنّ هذه هي الأشياءُ المُشتركةُ بين الإنسانِ والفيلِ. وقد ذَكرْنا أكبرَها وهو الفيل؛ ويُقالُ إنّ بعضَ هذه الفِيَلَةِ تبلُغُ أوزانُها عدّةَ أطنانٍ!
فهل مِيزةُ الإنسان، وما يُوجِبُ شَرَفَهُ على ما تبقّى من الموجودات، هي الاشتراكاتُ في الجسميّة؟ لا، إنّ الاشتراكَ في الجسميّة لا يُسبّبُ هذا الشرفَ؛ لأنّه لو كانَ شَرَفُ الإنسانِ بِزيادةِ وزنِه، لأعطَيْنا هذا الإنسانَ أطعمةً ليَنتفخَ، ويُصبحَ وزنُه بِقَدْرِ الفيل. فافترضْ أنّ وزنَ إنسانٍ سبعين كيلو صارَ مائةَ كيلو، وصارَ ثلاثيَّ الأرقام، ثمّ أخذَ يتناولُ الطعامَ شيئًا فشيئًا فازدادَ وزنُه؛ فلدينا أشخاصٌ أوزانُهم مائتا كيلو وثلاثمائة كيلو. رأيتُ في أحدِ الأماكنِ صورةَ شخصٍ ومكتوبٌ عليها: «يَزِنُ هذا الشخصُ ٤٥٠ كيلو!» فالآنَ، لو أكلَ هذا الإنسانُ ذو الـ ٤٥٠ كيلو، وازدادَ انتفاخُه ليُصبحَ ٤٥٠٠ كيلو، ويُصبحَ وزنُه رباعيَّ الأرقام فما فوق، فأيُّ قيمةٍ يُضيفُها له هذا الأمر؟
قِصّة الوزير الذي ألزمه صدّام بإنقاص وزنه
لن يُضيفَ شيئًا فحَسْب، بل سيذمّهُ الآخرون، ويقولون: هل هذا أيضًا يُعدُّ إنسانًا؟!، فهو يسعى ليُقلّلَ وزنَه بالحميةِ؛ ويأخذُ حِميةً من الطبيبِ لمدّةِ ستّةِ أشهرٍ أو أربعةِ أشهرٍ ليُقلّلَ وزنَه فورًا. يُقالُ إنّ صدّام حسين أمَرَ وزراءَه فقال: «على الجميعِ أن يُقلّلوا أوزانَهم إلى ٦٠ كيلو! لا نريدُ وزيرًا سمينًا، فالوزيرُ الذي يَزِنُ ١٠٠ كيلو و ٢٠٠ كيلو لا يستطيعُ أن يمشيَ! ومع أنّ الوزيرَ الذي يَزِنُ ستّين كيلو نحيفٌ جدًّا، إلّا أنّه هدّدَ بعَزلِهم من الوزارةِ! ولذلك، شرعَ أولئك الوزراءُ المساكينُ في الحميةِ.
متى يكون الوزن الزائد قيمة ومتى يكون ضدّ القيمة؟
إذن، يتّضحُ أنّ الوزنَ الزائدَ ليس قيمةً ولا قَدْرًا. نعم، للوزنِ الزائدِ قيمةٌ في مَكانِه؛ فمثلًا، عندما تُريدُ أن تشتريَ خروفًا، كلّما كانَ الخروفُ أكبرَ كانتْ قيمتُه أكثرَ؛ لأنّ المُرادَ من الأغنامِ والأنعامِ هو الاستفادةُ من اللّحم، ففي هذا المجال تكونُ قيمةُ هذا الخروفِ في سَمنتِه. ولكلّ إنسانٍ قيمةٌ لشيءٍ ما فمثلًا، كانَ شخصٌ يقولُ: لا نَعلَمُ ما هو العِشقُ الذي تَستيقظونَ من النومِ من أجلِه؟! لماذا يستيقظُ الشخصُ الذي لا يتعاطى الترياك أصلًا؟! أيْ أنّ كلَّ فِكرِه وذِكرِه وخصوصيّاتِ ذهنِه وقيمتِه هي أنْ يتعاطى ذلك الترياك، وهذه هي الغنيمةُ. وقيمتُه هي ما يَخرجُ من بَطنِه!
