
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
5فلِماذا هذا الأمر؟ وما هو سِرُّ هذه القضيّة؟ ولماذا لا يُمكنُ لغيرِه أن يُعينَ؟ في لسان أهلِ الأدب، إنّ تقدّمَ الجارّ والمجرور في «بِك عَرَفتُك» يُفيدُ الانحصارَ؛ ولو أنّه أُعينَ بالغير بمقدارِ رأسِ الإبرة، لَزالَ هذا الانحصارُ الذي أفادتْهُ «بِك عَرَفتُك»وتارةً نقولُ: «عَرَفتُك بِك»، وتارةً نقولُ: «بِك عَرَفتُك»، فتقديمُ الجارّ والمجرور يُفيدُ الانحصار والتخصيصَ، أيْ أنّ معرفتي بكَ هي بِواسطَتِك فقط، ولا يُمكنُ لأحدٍ غيرِكَ أن يُعينَني هنا. فإذا حُلّتْ لنا هذه النُقطةُ: لماذا لا يستطيعُ حتّى الأستاذ أن يُعينَ، ولا يستطيعُ حتّى النبيُّ أن يُعينَ، ولا يستطيعُ حتّى الصديقُ أن يُعينَ؟ نكونُ قد حقّقْنا إنجازًا عظيماً! إنّ هذا اللِمَّ وسِرَّ هذه المسألة هو من إعجازِ الإمام السجّاد. ونحنُ نُحاولُ أن نُبيّنَه حسبَ فَهمِنا، وإلّا فأينَ نحنُ من فَهْمِ الإمام السجّاد!
إنّهُ أمرٌ مُضحِكٌ حقًّا، ويُعدُّ من المهازلِ المعروفةِ في هذا العصر أنْ نحاولَ ترجمةَ كلامِ الإمام السجّاد! والآنَ، فليتكرّمْ ذلك العظيمُ بكرمِه علينا، وليغفِر لنا أنّ هذه الأجيالَ تأتي وتُعاني وتُصارِعُ مع ألفاظِه وعباراتِه. يقولون: «الأدبُ علامةُ العِلمِ ودليلُه، ومَن لا عِلمَ لهُ لا أدبَ له» وبما أنّنا الآنَ بلا علمٍ وناقصون، نُقدِمُ على التحدُّثِ حول كلامِ الإمام السجّاد.
ماهيّة الامتياز الإنسانيّ: ما الذي يميّزنا عن الفيل؟
المسألةُ الأساسيّةُ هنا هي: لماذا وُضِعَ العرفانُ نُصبَ العين؟ وما هي هذه المِيزة والخصوصيّة التي تجعلُ من العرفان كمالًا للإنسان ؟ وما هو الجانبُ الذي يَجعلُ العرفانَ واسطةً لامتياز الإنسانِ عن بقيّةِ الموجودات؟ إنّ امتيازَ الإنسان عن بقيّةِ الموجودات هو بِعِلمِه، والعلمُ يعني المعرفةَ، يعني العرفانَ والتشخيصَ. لا أقصدُ بالعرفانِ معناهُ الاصطلاحيّ الذي هو عبارةٌ عن خصوصيّةِ معرفةِ الحقّ تعالى، ومعرفةِ الأسماء والصفات الإلهيّة على مِقدار الاستعداد الإمكانيّ لكلّ وعاءٍ؛ بل أقصدُ بالعرفانِ هنا العِلمَ الكُلّيّ، والعِلمَ بجميعِ الأشياءِ، والعِلمَ مِن حيثُ هو هو، وليس العلمَ في مَسارٍ خاصٍّ ومُتعلَّقٍ خاصٍّ.
لا شكّ في أنّ قيمةَ الإنسانِ وقَدْرَهُ وامتيازَهُ على سائرِ الموجوداتِ هو بِعِلمِه وإدراكِه وشعورِه، فإذا أردْنا أن نُلاحظَ خصائصَ الإنسان بالنسبة إلى بقيّةِ الموجودات، فإنّ مِيزتَه تكمُنُ في الإدراكِ فقط.
