
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
4مرتبة أعلى من الدلالة: الذات الإلهيّة تدلّ على ذاتها مباشرةً
لكنّ الإمام السجّاد يقولُ هنا: و أنتَ دَلَلتَني عَلَيك و دَعَوتَني إلَيك؛ أي: أنتَ الذي دَلَلتَني على ذاتِك (أي ذاتُك أنتَ بالذات) و دَعوتَني إلى ذاتِك. لعلّ مرادَ الإمام هنا مرتبةٌ أعلَى من هذه المرتبة التي نحنُ فيها، أيْ أنّ ذاتَ الخالقِ هي التي تدُلُّ على ذاتِها في هذا المَقام.
ثلاثة أسئلة مهمّة حول فقرة «بِك عَرَفتُك»
المسائل التي تدورُ حول هذه الفقرة الشريفة هي كالتالي:
السؤال الأوّل: ما هو المراد من العرفان الذي ذكره الإمام السجّاد؟
ما هو المُرادُ من العرفان الذي يقولُ به الإمام السجّاد هنا؟ لقد ذكر الإمام عليه السلام المعرفةَ في بداية كلامِه، بعد تلك العبارات التي تتحدّثُ عن نُزول الرحمةِ والفيضِ على العِبادِ، وعن انحصار الخير والبركة والمَيمَنة في وجود الحقّ تعالى، حيثُ يقول: «بِك عَرَفتُك» أي: أنا بِواسطَتِك عرَفْتُك! فلِماذا هذا العرفان؟ ولماذا يجبُ أن يتحلّى الإنسانُ بالعرفان والمعرفة؟
السؤال الثاني: لماذا يجب أن يتعلّق العرفان بالذات الإلهيّة دون النعم والآثار؟
الأمرُ الثاني هو أنّ الإمام يقولُ: «بِك عَرَفتُك!» أي إنّ مُتعلَّقَ العرفان هو الذاتُ الإلهيّة. فلماذا أُعطِيَ العرفانُ بالخالق كلَّ هذه القيمة والأهمّيّة؟ ولماذا يجبُ أن يتعلّقَ العرفانُ بذاتِه ؟ ولماذا لا يتعلّقُ بنعمِه؟ ولماذا لا يتعلّقُ بالجنّة والنار؟ ولماذا لا يتعلّقُ بالمظاهر الإلهيّة في عالَمِ الكون؟ فالعرفانُ بالبشر، أو العرفانُ بالحيوان، أو العرفانُ بالجماد، أو العرفانُ بعالم المثال، أو العرفانُ بالعوالِمِ الرُبوبيّة، ليسَ شيئاً ممّا أرادهُ الإمام. بل إنّهُ يقولُ هنا العرفان بالذات، حيثُ يقولُ: بِك عَرَفتُك؛ أي: بِواسطَتِك عَرَفْتُك (وليسَ جَنّتَك أو نارَك وجَهنّمَك).
السؤال الثالث: ما سرُّ انحصار المعرفة بالذات الإلهيّة نفسها دون واسطة الغير؟
الأمرُ الثالثُ الذي يقولُه الإمامُ هنا وهو سؤالٌ في غايةِ الأهمّيّة هو: لماذا ينبغي أن تكونَ أنتَ الواسطةَ لهذا العرفان، ولا يُمكنُ للغير والشخص الثالث أن يكونَ واسطةً؟ إنّنا نستعينُ دائمًا بالغير عندما نتحصّل على العرفان؛ وعامّةُ حياتِنا على مدارِ الليل والنهار هي استعانةٌ بالغير! فمثلًا، عندما نريدُ أن نعرفَ خصائصَ بدن الإنسان، لا بُدّ من الاستعانة بالكتاب والأستاذ، والاستعانة بالشخص الخبير بهذه الأمور. وعندما نريدُ أن نعرفَ الأرض وطبقاتِها، علينا أن نستعينَ بالعلوم المتعلّقة بطبقات الأرض، وأن نستعينَ ونستجِدَ أستاذًا ذا خبرةٍ كافيةٍ في هذا المجال. إذن، كلّ هذه الأمور هي استعانةٌ بالغير، وعلى الإنسان أن يستعينَ بالغير للوصول إلى هذا الهدفِ وإلى هذه الغاية؛ ولكنْ بالنسبة إلى الخالق، يقولُ الإمامُ: بِك عَرَفتُك!، أنا لا بُدّ أن أستعينَ بكَ أنتَ فقط للوصول إليكَ وإلى مَعرفَتِك، ولا يُمكنُ لغيرِكَ أن يُعينَني في هذا الطريق.
