
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
3كيف نوفّق بين الهداية الإلهيّة وبعثة الأنبياء وضرورة الأستاذ؟
إذن، لماذا يحتاج الإنسانُ في طريق السير والسلوك إلى أستاذٍ؟ فالإمام يدفَعُ هذا الأمر عندما يقول: بِك عَرَفتُك؛ ليس لي حاجةٌ بأحدٍ؛ فالمعرفةُ التي لديّ هي بِواسطة ذاتِك أنتَ! إذن، ما هو عملُ الأستاذ وما هو دورُه هنا؟
ثمّ إنّ الإمام يقول: و أنتَ دَلَلتَني عَلَيك؛ وأنتَ الذي دَلَلتَني على ذاتِك! أي لم يأتِ أحدٌ ليهديني ويرشدني إلى هذا الطريق، وليهمسَ في أذني: أيها الناسُ، هناك إلهٌ أيضًا! إذن، هل يتعارضُ هذا الأمرُ مع بعثة الأنبياء الذين جاؤوا ليدعوا الناس إلى الله؟ فالنبيّ بشرٌ ذو علمٍ وشعورٍ وإدراكٍ وكشفٍ للحجبِ، ومُطّلعٌ على الغيبِ، ومُستفيدٌ ومُستفيضٌ من الإلهام والوحي الإلهيّ، وهو الذي يأتي ويدعو الناس إلى التوحيد والرسالة والعرفان؛ في حين يقول الإمام السجّاد: أنتَ دَلَلتَني عَلَيك؛ أنتَ الذي دَلَلتَني! فما هو دورُ الأنبياء إذًا؟
و لدينا في آيات القرآن الكريم: ﴿وَمَا نُرسِلُ ٱلمُرسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، أي: ما أرسَلْنا المُرسَلين إلّا مُبشّرين ومُنذرين ،ليُبشّروا بالنعم الإلهيّة في صورة الطاعة، ويُنذروا العبادَ ويُخوّفوهم بالعذاب الإلهيّ في حال المُخالفة. أو يقولُ في آيةٍ أخرى: ﴿طه ٭ مَآ أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشقَىٰٓ ٭ إِلَّا تَذكِرَة لِّمَن يَخشَىٰ﴾۱ أي: ما أرسَلْناكَ بالقرآن إلّا لتُذَكّرَ الناسَ (و تُبشّرهم!). أو يقولُ في آياتٍ أخرى أنّ إرسالَ الرسولِ هو لإظهار الحقّ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلهُدَىٰ وَدِينِ ٱلحَقِّ لِيُظهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَو كَرِهَ ٱلمُشرِكُونَ﴾٢ فما هي نِسبةُ هذه الآيات القرآنيّة الدالّة على أنّ الأنبياء جاؤوا لهداية الناس إليه، مع قولِ الإمام «أنتَ دَلَلتَني عَلَيك»؟
هل دلالة الأنبياء هي الدلالة الإلهيّة عينُها ولكن بالواسطة؟
إذا قُلْنا إنّ هؤلاء الأنبياء الإلهيّين جاؤوا من قِبَل الله تعالى، وليسوا من قِبَل الشيطان، فلا منافاةَ بين هذا الأمر وبين أنتَ دَلَلتَني عَلَيك. أي: يا إلهي، أنتَ تدُلّني على ذاتِك بواسطة أنبيائك الذين هم أيضًا من قِبَلِك، فكلّهم جاؤوا من مَكانٍ واحدٍ، ويستمدّون كلّهم من مَصدرٍ واحدٍ ومَنشأٍ واحدٍ.
فهل هذا هو المراد من كلام الإمام السجّاد؟ نعم، إنّ هذا المعنى صحيحٌ؛ فالأمرُ الذي يبعثُه المولى مباشرةً و يقومُ به بنفسِه، هو نَفسُه الأمرُ الذي يقومُ به بالواسطة، وكلاهما من مَصدرٍ واحدٍ. ومِثالُ ذلك: أنّني تارةً أُعطي هذا الكوبَ من الماء إلى شخصٍ مُباشرةً، وتارةً أُعطي هذا الكوبَ من الماء إلى شخصٍ آخرَ وأقولُ له: «يا هذا، خُذْ هذا إلى فلان». ففي كلتا الحالتين لا فرقَ، فقد أرسَلْتُ هذا الكوبَ من الماء إلى فلانٍ، سواء أكان بلا واسطة أم مع الواسطة!
- سورة طه، الآيتان ٢-٣
- سورة التوبة، الآية ٣٣
