
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
11قاعدة السلوك: هل أنت الراكب أم المركوب؟
إذن، هذا الاشتراكُ الذي لدينا في هذا البدنِ مع الحيواناتِ، لن يُسبّبَ لنا قيمةً. ومِن هنا نصلُ إلى هذه النُقطةِ، وهي: لماذا لا يُسبّبُ ازديادُ الوزنِ قيمةً؛ لأنّ مَطلوبَ الإنسانِ من هذا البدنِ ليسَ البدنَ نفسَه، بل هو مَركبةُ البدنِ؛ وكلّما كانتِ المَركبةُ مُريحةً أكثرَ، كانتْ أنفعَ للإنسان. أيْ يجبُ أن تكونَ للإنسانِ مَركبةٌ تستطيعُ أن تُلبّيَ احتياجاتِه على الوجهِ الأكمَلِ. لماذا تكونُ قيمةُ الكلبِ الصائدِ أكبرَ؟ لأنّه يستطيعُ أن يَركضَ ويَصيدَ بصورةٍ أفضلَ. لماذا تكونُ قيمةُ البقرةِ السّمينةِ أكبرَ؟ لأنّها تحتوي على لَحمٍ أكثرَ، ويُمكنُ الاستفادةُ من لَحمِها بصورةٍ أفضلَ. لذلك، ما هو مُهمٌّ للإنسانِ هو أن يُمكنَ الاستفادةُ من هذا البدنِ كمَركبةٍ بصورةٍ أفضلَ. وهنا نصلُ إلى الكلمةِ الحكيمةِ للمرحوم الأستاذ الحدّاد، حيثُ قالَ :يا سيّد مُحسن، يجبُ أن تستخدمَ هذه المَركبةَ في السّلوكِ وفي طريقِ الله. لا تجعلْ نفسَك مَركبةً لبَدنِك، ويكونُ هو الرّاكبُ عليكَ. اسعَ دائمًا لأن تكونَ أنتَ الرّاكبَ، ويكونَ هو المَركبةَ، أيْ عندما تتناولُ الطعامَ، كُلِ الطعامَ الذي ينفعُكَ، وقُمْ بالعملِ الذي ينفعُكَ.
نتائج انقلاب العلاقة: البدن يُملي عليك أوامره
ولكنْ إذا أخرجْنا هذه المَركبةَ من مَركبتِها، وذهبْنا كلَّ يومٍ إلى هذا الطبيبِ وذاكَ، وتناولْنا هذا الدواءَ وذاكَ، فإنّ كلَّ فِكرِ الإنسانِ وذِهنِه سينشغلُ بهذا البدنِ؛ وعندئذٍ، يُصبحُ هذا البدنُ هو الرّاكبَ، ويَقودُنا خَلفَهُ. اليومَ يَشكو جزءٌ من البدنِ، ويقولُ: خُذْني إلى الطبيبِ الفلانيِّ! حسَنٌ جدًّا، لقد ذهبْنا إلى الطبيبِ، وأعطانا الدواءَ. غدًا تشكو الكِليَةُ، وتقولُ: خُذْني إلى طبيبِ المسالِكِ البوليّةِ! بَعدَ غدٍ يرتفعُ صوتُ القلبِ، ويقولُ: خُذْني إلى طبيبِ القلبِ! ولا قدّرَ اللهُ أن تذهبَ إلى طبيبِ القلبِ؛ يُحضرونَ جهازَ ضغطِ الدمِّ، ويُقيسونَ الضغطَ صعودًا وهبوطًا، ويُحلّلونَ، ويُجرونَ فحصَ الإيكو، ويصلُ الأمرُ إلى مكانٍ آخرَ، حيثُ يُدخِلونَ إبرةً وبالونًا، ويَفتحونَ الوَريدَ، و...
ثمّ يقولون: يا هذا لم ينجحِ الأمرُ! يجبُ أن تُجريَ عمليّةً لقلبِك أيضًا؛ هذه الشرايينُ التاجيّةُ و... مُغلقةٌ، ويجبُ أن نأخذَ وَريدًا من قَدَمِك، ونَوصلَهُ هنا. قد يقولونَ هذا الكلامَ بلا داعٍ؛ يُريدونَ المالَ، ويُريدونَ أن يَأخذوا مليونًا. بالطبعِ، بعضُ هذا الكلامِ صحيحٌ أيضًا.
