
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟
ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.
برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ
10في مرّةٍ ذهبْنا أنا والمرحوم الوالد العلامة الطهراني إلى الدكتور ناصر اتّفاق، فتحدّثَ معنا لمدّةِ ثلاثِ ساعاتٍ ونصفٍ؛ ثمّ تعِبَ، وذهبَ إلى الأعلى، والتَفَتَ إلى السادةِ الجالسينَ، وقالَ: أيّها السادةُ اعذروني، لقد تعِبْتُ، تعالوا غدًا! كانَ شخصًا عجيبًا جدًّا. كانَ يُطيلُ لِحيَتَه، وكانَ يَضعُ رَبْطةَ عُنُقٍ أيضًا. كانَ المرحوم الوالد العلامة الطهراني يقولُ: أنا أعتبرُهُ مُجتهدًا في فَنّهِ. وكانَ هو يقولُ: درستُ ثمانيةَ عشرَ سنةً بعدَ التخصصِ الفائقِ أيضًا!
في يومٍ من الأيّامِ، ذهبْنا في خدمةِ المرحوم الوالد العلامة الطهراني إلى الدكتور اتّفاق. طرحتُ مُشكلةَ معدتي هناكَ، وبدأتُ أتحدّثُ وقلتُ: يا سيّدي، أنا في هذه الحالة. بمجرّدِ أن قلتُ هذا، بدأَ هو بنفسِه، وذكرَ بقيّةَ ملفّي، وقالَ: أنتَ تُصابُ بهذه الحالةِ، وتُصبحُ هكذا، وتُصبحُ هكذا. فرأيتُ أنّه أدرى بحالنا ووضعِنا منّا نحنُ. ثمّ قالَ أمامَ المرحوم الوالد العلامة الطهراني:
مُشكلتُكم أيّها الطَّلَبَةُ أنّكم لا تُمارسونَ الرياضةَ بتأثيرٍ من عامّةِ الناسِ، لا تَسبحونَ، لا تركبونَ الخيلَ، لا تذهبونَ إلى الجبلِ، ولا تذهبونَ إلى تلك المُتَعِ التي يذهبُ إليها الناسُ! أيّها السادةُ، يجبُ أن تذهبوا إلى الرَّقصِ! عندما قالَ هذا، ضَحِكْنا! وكانَ يتحدّثُ بِجِدّيّةٍ، وليسَ بِقصدِ المُزاحِ؛ كانَ شخصًا مُفكّرًا جدًّا. بالطبعِ، الرّقصُ وما شابهُ حرامٌ، ولكنْ كانَ يُريدُ أن يقولَ: لماذا يجبُ أن يُحرَمَ الطالبُ من هذه المَواهِبِ الدُّنيويّةِ التي تُؤدّي إلى صحّةِ الإنسانِ ؟! وكانَ يَعتبرُ هذا الأمرَ خَطأً، وأنّ مُتابعةَ هذا الخَطأِ تُسبّبُ هذه الأمراضَ. كانَ يقولُ: هذه الأمراضُ، قُرحةُ المَعِدَةِ، ومَتاعبُ البروستاتِ، ومَتاعبُ المفاصلِ، ومَتاعبُ ضغطِ الدمِّ، كُلُّها بسببِ هذا الأمرِ.
لماذا لا يُصابُ الأشخاصُ الذين يذهبون إلى الجبلِ ويُمارسونَ الرياضةَ بهذه المتاعبِ؟ لأنّه يجبُ أن يكونَ هذا البدنُ تحتَ نِظامٍ معيّنٍ! فكما أنّكم تموتونَ إذا لم تتناولوا الطعامَ، فإنّكم تمرضونَ إذا لم تُمارسوا الرياضةَ. هذه حساباتُ اثنانِ واثنانِ يُساويانِ أربعةً.وكانَ لديهِ اعتراضٌ كبيرٌ على عملِ الطَّلَبَةِ، فكانَ يقولُ: لماذا لا يجبُ على الطالبِ أن يذهبَ للسباحةِ؟ إنّ السباحةَ مرّةً كلَّ يومَينِ ضروريّةٌ للبدنِ؛ السباحةُ في الماءِ الحارّ، والسباحةُ في الماءِ الباردِ. عندما يَسبحُ الإنسانُ لمدّةِ ساعةٍ، فإنّهُ يدفَعُ جميعَ السُّمومِ، ويُحرّكُ بَدنَه. في الحقيقةِ، إنّ أحدَ أدويةِ مَتاعبِ المَعِدَةِ وقُرحتِها هو تسلُّقُ الجبالِ والذهابُ إليها؛ فالبدنُ يدخلُ في حالةِ حركةٍ ودَوَرانٍ، وتُرمّمُ المَعِدَةُ تلك القُرحةَ شيئًا فشيئًا بِواسطةِ هذه الحركةِ والمُصارعةِ التي تحدُثُ، والضغوطِ التي تَرِدُ عليها، وجَذبِ الدّمِّ الذي يجري فيها، وهي في الوقتِ نفسِه تُؤثّرُ على الأعصابِ، وتُصيبُ أعصابَ الإنسانِ بالاسترخاءِ، ويَخرجُ من ذلك الاضطرابِ والقلقِ، وكذلك تبدأُ الجوارحُ وغيرها بالنشاطِ. ولذلك، هذه إحدى الأوامرِ التي يجبُ على كلِّ شخصٍ أن يقومَ بها؛ وهذه الرياضةُ مُفيدةٌ لهذا الجانب.
