
خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين
دود العقل في السلوك إلى الله
ما هو الخطر الذي يمثّله العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين؟ ولماذا قال أمير المؤمنين عليه السلام إنّهما يقصمان ظهره؟ ما هي حدود العقل في طريق السير والسلوك إلى الله؟ ولماذا يجب التسليم المطلق للوليّ الإلهيّ حتّى لو كانت أوامره مخالفةً لعقولنا؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدّس سرّه عن هذه الأسئلة في هذه المحاضرة المهمّة.
خطر العالِم المتهتّك والجاهل المتنسّك على الدين
12كلّ هذه الأمور لها مناطٌ وملاكٌ واحد، وهو أنّ السلوك أصلًا يعني العلم الإجماليّ؛ والتعبّد يعني العلم الإجماليّ. عُمَر جاء إلى النبيّ وقال إنّه لم يشكّ قطّ إلّا في هذا المورد،۱ حيث قال النبيّ إنّنا سنذهب ونفتح مكّة، فجاؤوا إلى مكّة وعادوا ولم يفتحوها! عجيب! حسنًا، لقد تبيّن خلاف ذلك! فقال النبيّ: قلتُ هذا العام، ولكن لم أقل في هذه المرّة! إنّه يتعامل مع النبيّ بهذه الأسباب الظاهريّة، فمن ناحية يرى أنّه النبيّ ويقبله، ومن ناحية أخرى يرى أنّ كلامه هذا قد تبيّن خلافه بهذه الأسباب الظاهريّة؛ لذا يقول: لا نقبل هذا الأمر ونتركه جانبًا! لأنّ الإنسان واقعٌ في صراع مع النفس الأمّارة والهوى، فإنّ النفس الأمّارة تبرّر المسائل لصالحها؛ وهنا يحدث أن يتقابلا وجهًا لوجه!
قصّة العالم المتهتّك الذي أراد قتل شيطان في حضرة السيد الحداد!
العالِم المتهتّك هو العالِم الذي يقف في وجه الوليّ ويقول: يجب أن يكون الأمر كذا، ويجب أن يكون كذا! سألتُ السيّد العلامة يومًا: هل سافر بعض العلماء من تلاميذكم بإذنكم للقاء أحد المراجع؟ فأجاب: كلّا، لقد جاء فقط ليودّعني وقال: "هل لديك أمرٌ تريدني أن أبلّغه لذلك المرجع؟ فقلتُ: نعم هذه الأمور.
إنّ الأستاذ يرى ما سيحدث بعد يومين، ولكنّك لا ترى هذا، الأستاذ يرى الأوضاع والأحوال، ولكنّك لا تراها، أنت تنظر فقط إلى أنّ الإسلام قد ضاع، أغيثوا الإسلام! قيّم الإسلام جالسٌ هنا! الإمام الحسن عليه السلام جالسٌ ويقول: أنا أريد أن أصالح معاوية! ما علاقتك أنت بالموضوع، هل دينك أكثر من ديني؟! أتأتي أنت لتأمر الإمام الحسن عليه السلام بأن انهض لنقاتل؟! ما علاقتك أنت؟! يقول: أنا أريد أن أصالح معاوية، بل وأريد أن أقف خلف معاوية وأصلّي، بل وأريد أن أقتدي بمعاوية وأقلّده!! ما علاقتك أنت؟!
هذا الذي طُرد كان سبب طرده هذا الأمر؛ كان عالِمًا متهتّكًا، لم يكن جاهلاً! بالمسائل التي حصلت له وانفتح بصره، كان السلاح في يده، حصلت له مكاشفاتٌ وكان لديه سلاح. كان يأتي من النجف إلى كربلاء ويصلّي خلف السيّد الحدّاد، ويقول: أنا آتي إلى كربلاء مرّةً في الأسبوع لأصلّي صلاةً. كان يأتي يوم الخميس ويعود يوم الجمعة. كان يأتي ويرى فجأةً أنّ أحد أولئك الذين لم يكن السيّد الحدّاد يريد أن ينظر إليهم أصلًا، ومن المعاندين للسيد الحداد، موجودٌ هناك! كان هذا الخبيث يأتي إلى مجلس السيّد الحدّاد ليرى ويستخرج كلمةً من السيّد الحدّاد، ثم يذهب ويعلنها في المجالس ويجمع الناس ضدّه... وفي كثير من الأحيان كان يحدث أن يتقدّم [هذا العالم] ويقتدي به السيّد الحدّاد، فيغضب هذا [التلميذ]!
- تاریخ الإسلام، الذهبي، ج ٢، ص ٣٧١: «... فقال عُمَرُ: وَاللَهِ ما شَككتُ مُنذُ أسلَمتُ إلّا یومئذٍ، فأتیتُ النّبیَّ، صلّی اللَهُ علیه و [آله و] سلّم فقُلتُ: یا رسولَ اللَه، ألَستَ نبيّ اللَه؟ قال: ”بلیٰ!“ قلتُ: ألَسنا علیٰ الحقِّ وعدُوُّنا علیٰ الباطل؟ قال: ”بلیٰ!“ قلتُ: فلِمَ نُعطی الدَّنیَّةَ فی دینِنا إذًا؟ قال: ”إنّی رسولُ اللَهِ و لَستُ أعصیهِ و هو ناصِری!“ قلتُ: أولَستَ کُنتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنَأتي البَیتَ فنَطوفُ حَقًّا؟ قال: ”بلیٰ، أفَأخبَرتُك أنَّك تَأتیه العامَ؟“ قلتُ: لا! قال: ”فإنَّك آتیهِ و مُطَوِّفٌ به.“»
وقال السيوطي في الدر المنثور ج ٦/ ۷۷: " وأخرج عبد الرزاق ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم ... فذكر قضية شكّ عمر يوم الحديبية ، إلى أن وصل إلى قول عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ " .
- تاریخ الإسلام، الذهبي، ج ٢، ص ٣٧١: «... فقال عُمَرُ: وَاللَهِ ما شَككتُ مُنذُ أسلَمتُ إلّا یومئذٍ، فأتیتُ النّبیَّ، صلّی اللَهُ علیه و [آله و] سلّم فقُلتُ: یا رسولَ اللَه، ألَستَ نبيّ اللَه؟ قال: ”بلیٰ!“ قلتُ: ألَسنا علیٰ الحقِّ وعدُوُّنا علیٰ الباطل؟ قال: ”بلیٰ!“ قلتُ: فلِمَ نُعطی الدَّنیَّةَ فی دینِنا إذًا؟ قال: ”إنّی رسولُ اللَهِ و لَستُ أعصیهِ و هو ناصِری!“ قلتُ: أولَستَ کُنتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنَأتي البَیتَ فنَطوفُ حَقًّا؟ قال: ”بلیٰ، أفَأخبَرتُك أنَّك تَأتیه العامَ؟“ قلتُ: لا! قال: ”فإنَّك آتیهِ و مُطَوِّفٌ به.“»
