
الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله
قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟
مَن هو «الجاهل المتنسّك» الذي اعتبره أمير المؤمنين عليه السلام قاصمًا لظهره؟ وكيف يمكن للمتديّن أن يتحوّل إلى أداة لهدم الدين بسبب جهله واتّباعه لهواه؟ ولماذا أمر بعض الأئمّة شيعتهم بالسكوت؟ وما هي وظيفة العقل مع وليّ الله؟ في هذه المحاضرة، يغوص آية الله السيد محمّد محسن الطهراني قدس سره في هذه الأبحاث مستشهدًا بأمثلة تاريخية وقصص واقعية.
الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله
9هناك نطاق محدّد للعقل يبني فيه البراهين من خلال المقدّمات. فنحن ناقصون ولا نستطيع أن ندرك الواقع؛ كلّ هذه براهين و مقدّمات يبنيها العقل. والآن دليلنا يتكوّن أحيانًا من مقدّمتين، وأحيانًا من مائة مقدّمة، كلّها مرتبطة ببعضها البعض بشرط أن تكون شروط الكلّية والجزئية والسلب...۱ كلّها مأخوذة بنظر الاعتبار.
كلّنا ناقصون نحن نشعر بذلك بالوجدان، نلمس الجهل في أنفسنا وجدانًا، فلا حاجة لشيء آخر، إنّه من البديهيّات والقضايا الأوليّة ومن الوجدانيّات، ومن كان ناقصًا لا يستطيع أن يدرك الواقع. ومن جهة أخرى، لم نُخلق عبثًا وهناك غرض من خلقنا. ومن هذه الجهة، نشعر في أنفسنا بحبّ الكمال ونشاهد أنّ الإنسان نفسه يسعى إلى الكمال ويبحث عنه. فكلّ هذه مقدّمات عقلية والعقل يرشد إليها. ومن جهة أخرى، نشعر بأنّ الله لا يمكن أن يتركنا عبثًا ومهملين، فنحن بحاجة إلى إنسان يرشدنا.
هل يجب أن يكون مثلنا؟ لا، فلو كان مثلنا فنحن موجودون! هل أنا هنا عاطل عن العمل لأسلّم زمام أمري لمن هو مثلي؟! لو فعلت ذلك لكنت جاهلًا حقّاً! يجب أن يكون أعلى منّي! وهل ذلك الذي هو أعلى منّي، قد سلك نفس الطرق التي سلكتها أنا؟! لا، لأنّه حينها قد يخطئ هو أيضًا، فأنا أخطئ؛ خطأ في خطأ، ويا ويلاه، خطأ في خطأ!
لماذا نهى أهل البيت عن التسرع في الحكم على الظواهر؟
لدينا رواية تقول: لو أنّ مؤمنًا حمل فعل أخيه على سبعين محمل حسن، ثمّ بعد المرة الحادية والسبعين رتّب الأثر السيّئ، فإنّ إيمانه ناقص٢! ناقص، أي كأنّه معلّق في الهواء ولا أساس له. لذا، فإنّ ثمانية وتسعين بالمائة من أحكامنا مبنيّة على المسموعات! أنت تصل فقط إلى هذا الكلام الذي يقول إنّ فلانًا قال كذا؛ حسنًا، ربما كان هناك شيء قبله! ثمانية وتسعين بالمائة ترتبط بهذا الأمر؛ إلّا من كان لديه إشراف على الواقع. فإنّ حسابه مختلف. لذا، يقولون: كلّ ما سمعته تأمّل فيه ولا تتسرّع في الحكم!٣
إنّ كثيرًا من تلك المسائل التي كانت مطروحة سابقًا كانت بسبب هذا التسرّع في الحكم والاستعجال! فالأمر أحيانًا قد يكون دقيقًا ولطيفًا جدًّا! لقد حدثت لي شخصيًا مسائل، لو أنّ الإنسان اطّلع عليها، لحملها على معنى معيّن قطعًا، أي لا شكّ في ذلك، في حين أنّ ذلك لم يكن واردًا في ذهني أصلًا! أي أريد أن أقول إنّ الأمر يتجاوز حتّى الرؤية بالعين؛ حتى لو رأيت المسألة!
- يتألّف كلّ دليل وقياس منطقي من مقدّمتين ونتيجة، وهناك شروط لترتيب القضايا والمقدّمات في ذلك العلم لو خالفها الإنسان لما صحّ دليله منها أن تكون إحدى القضيّتين (الكبرى منهما) كليّة تبدأ بكلمة كلّ كقولنا كلّ إنسان ميّت. وهكذا هناك شروط ترتبط بكون القضايا سالبة أم موجبة. (م)
- أخرج البيهقي بسنده في شُعَب الإيمان إلى جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذرًا لا أعرفه.
وفي مصباح الشریعة، ص ١٧٣:
«قال أُبَیُّ بنُ کَعبٍ: إذا رَأیتُم أحَدَ إخوانِکُم فی خَصلَةٍ تَستَنکِرونَها مِنهُ فَتَأوَّلوها سَبعین تَأویلًا فَإن اطمَأنَّت قُلوبُکم علی أحَدِها، و إلّا فلُوموا أنفُسَکُم حیث لم تَعذِروهُ فی خَصلَةٍ یَستُرُها علیه سَبعینَ [سَبعونَ] تَأویلًا، فأنتم أولَی بالإنکارِ علی أنفُسِکُم مِنه.» - ينسب إلى ان سينا: كلّ ما قرع سمعك فضعه في دائرة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان.
