
الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله
قصّة العلامة الطهراني مع المتحمّسين للثورة: لماذا أمرهم بالقعود؟
مَن هو «الجاهل المتنسّك» الذي اعتبره أمير المؤمنين عليه السلام قاصمًا لظهره؟ وكيف يمكن للمتديّن أن يتحوّل إلى أداة لهدم الدين بسبب جهله واتّباعه لهواه؟ ولماذا أمر بعض الأئمّة شيعتهم بالسكوت؟ وما هي وظيفة العقل مع وليّ الله؟ في هذه المحاضرة، يغوص آية الله السيد محمّد محسن الطهراني قدس سره في هذه الأبحاث مستشهدًا بأمثلة تاريخية وقصص واقعية.
الجاهل المتنسّك: أخطر أعداء الدين من داخله
3ولكن بمجرّد أن نكبر شيئًا فشيئًا، تُنسى تلك المسألة التوحيدية تدريجيًا، وتأتي هذه التكلّفات والزوائد لتحلّ محلّ الأصل، إلى درجة أنّ الإنسان الذي وُلد بتلك الروح التوحيديّة، يتحوّل إلى شيطان مَريد يطلب الدنيا كلّها لنفسه! إنّه لأمر عجيب! أي إنّ روح الأنانيّة والتفرعن تقوى فيه لدرجة أنّه مستعدّ لأن يحترق العالم كلّه ولا تسقط كلمته على الأرض! ويعلم الله إلى أين يصل الأمر بهذه الأنانيّة، بحيث لا يمكن فعل شيء حيالها! وبالفعل، تأتي هذه النفس وتبدأ بالتبرير، وتصوّر المسائل غير الواقعيّة على أنّها واقعيّة، وتطابق جميع المسائل مع أهوائها، وتستدلّ وتخرّب العمل، ثمّ لا تلقي باللائمة على نفسها! فإذا نجح الأمر فبها، ولا يُدرى إلى أين سيصل به الغرور وإن لم ينجح، لا يلقي باللوم على نفسه، بل على زيد وعمرو!
من هو "الجاهل المتنسّك" الذي قصم ظهر أمير المؤمنين؟
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في عبارة عجيبة: «قَصَمَ ظَهْرِي: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ»۱. والمتنسّك يختلف عن الناسك. فالناسك: هو من له بطبعه حالة عبوديّة، أمّا المتنسّك: فهو على وزن «التفعُّل»، أي من يكلّف نفسه ويلصقها بالنسك. حسنًا، عامة الناس هكذا، كما يقول الشاعر
آن كس كه نداند و بداند كه نداند *** لَنگان خَرَک خویش به مقصد برساند من لا يعلم ويعلم أنّه لا يعلم *** يوصل حماره الأعرج إلى غايته
أمّا من لا يعلم ولا يعلم أنّه لا يعلم، فهذا هو الجهل المركّب لدى عوامّ الناس الذين تعلّموا كلمتين، وأطلقوا لحية وأمسكوا مسبحة واستخدموا مسواكًا، وحضروا مجلسين، ثمّ يقدّمون أنفسهم ويقفون في وجه الحقّ والواقع والوليّ، بل ويقفون في وجه أمير المؤمنين أيضًا! أهل النهروان هؤلاء، كانوا جهّالاً متنسّكين! لقد سمعوا روايتين من النبيّ صلّى الله عليه وآله. حسنًا أيّها الجاهل، لقد سمعت هذه الرواية، فاسمع الجانب الآخر أيضًا، وأنّ عليًّا كذا وكذا!
هنا تتدخّل النفس! فلو كانت لديك أهواء ولم تسمع شيئًا، لكان عدم سماعك هذا بنفسه نزعًا لسلاح النفس، وهذا النزع للسلاح مفيد جدًّا للإنسان؛ فالإنسان يكون منزوع السلاح ولا يملك شيئًا. ولكنّ الكلام هو أنّ النفس الآن قد حصلت على وسيلة، وسيلة للمواجهة والمقابلة. ويا ليت وسيلتها كانت وسيلة صحيحة! لم تحصل إلّا على أربع كلمات! فإذا كانت القضيّة هذه، فهناك ما يقابلها أيضًا! لكنّه يبرّر الأمر قائلاً: لا يا سيّدي، ما أقوله أنا هو الصحيح!
- منية المريد ص۱۸۱وغرر الحكم ٩٦٦٥قصم ظهري عالم متهتّك وجاهل متنسّك فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه والعالم ينفّرهم بتهتّكه
