
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
قصة أويس القرنيّ: لماذا منعه الله تعالى من رؤية النبيّ؟
ما هو معنى المكر الإلهيّ الوارد في الدعاء والقرآن؟ وكيف يختلف عن مكر البشر؟ ولماذا يُعدّ التفكير في الالتفاف على أوامر أولياء الله هو الوقوع في المكر الإلهيّ نفسه؟ وما هو سرّ عظمة أويس القرنيّ الذي لم يرَ النبيّ في حياته؟ في هذه المحاضرة من شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، يضع آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره أُسسًا مهّمة في الأدب السلوكيّ، موضّحًا حقيقة المكر الإلهيّ من خلال قصص وتجارب شخصيّة عميقة.
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
9هذا ما يسمّى المكر؛ أي إنّه يعلم بما وراء الستار، والآخر لا يعلم؛ فيقلب القضيّة، ويخدع الطرف الآخر!
كيف نفهم "مكر الله" الوارد في القرآن؟
المكر بشكل عامّ صفة مذمومة، فكيف يمكن أن يكون الله أيضًا مكّارًا؟! يقول: «لا تَمكُر بي في حيلَتِكَ»؛ فلا معنى بتاتًا لأن يتّصف الله تعالى بصفة مذمومة! لدينا في الآية: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ۱في قصّة بني إسرائيل وموسى، عندما أمرهم الله بعدم الصيد يوم السبت، كانوا يضعون الشباك، فتدخلها الأسماك، فيصطادونها، حيث كانوا يحتالون: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. فالله أيضًا يمكر بهم ويقول: حسنًا، لا بأس، أنت تمكر بنا؛ نحن أيضًا نمكر بك! لنرَ من سيفوز؟! ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي أنّ يد الله هي العليا، والله دائمًا له اليد العليا! وعندما تكون لله اليد العليا، فمن سيفوز إذن؟! من الواضح أنّ الله هو الذي سيفوز!
المكر الإلهيّ نتيجة مباشرة لأفعالنا
والآن، ما معنى مكر الله؟ هل يعني أنّه تعالى يُباغت الإنسان؛ أي أنّنا نفعل شيئًا، فيأتي الله ويخدع الإنسان، من باب أنّه تعالى قهّار ومدير ومدبّر وفعّال لما يشاء؟! أم أنّ مكر الله هو عبارة عن عمل وفعل الإنسان نفسه!
يأمرنا السيّد العلاّمة: «عليكم أن تفعلوا كذا!». فتارةً، يكون الأمر الذي يُعطى لنا موافقًا لطبعنا وميلنا، فنبادر فورًا وننهض بالتأكيد للذهاب، وأنا هنا أتحدّث عن نفسي ولا شأن لي بأحد. ولكن تارةً أخرى، يكون الأمر الذي يُعطيه لنا السيّد العلاّمة غير موافق لطبعنا، فنبحث دائمًا عن مخرج منه! هذا هو المكر. لنفترض أنّه يأمرك بأن تفعل هذا العمل، مثلاً أن تذهب إلى فلان، وتأخذ هذا الكتاب وتُعطيه إيّاه! وأنت في خصام مع ذلك الشخص وبينكما كراهية ونفور، فتُعطي الكتاب لصديقك ليأخذه وتقول: «المهمّ هو إيصال الكتاب!».. هذا هو المكر.
ذات مرّة، قبل بضع سنوات، أعطاني الوالد العلاّمة طردًا أو رسالة وقال: «اذهب وأعطِ هذا لفلان وقل له أن يعطيه لأمّه!»؛ فذهبت وأعطيته إيّاه وقلت له: «أعطِ هذا لأمّك!». فكّر ذلك الشخص قليلاً، وبما أنّنا كنّا أقارب وذوي رحم، قال: «لا، يجب أن تأخذه أنت بنفسك وتعطيه إيّاها!». في النهاية، لم تكن علاقته بأمّه جيّدة جدًّا! ذهبت إلى مشهد، فقال الوالد العلاّمة: «هل أعطيته لذلك الشخص؟!». قلت: أعطيته له، لكنّه فعل كذا.
- سورة آل عمران، الآية ٥٤.
