
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
قصة أويس القرنيّ: لماذا منعه الله تعالى من رؤية النبيّ؟
ما هو معنى المكر الإلهيّ الوارد في الدعاء والقرآن؟ وكيف يختلف عن مكر البشر؟ ولماذا يُعدّ التفكير في الالتفاف على أوامر أولياء الله هو الوقوع في المكر الإلهيّ نفسه؟ وما هو سرّ عظمة أويس القرنيّ الذي لم يرَ النبيّ في حياته؟ في هذه المحاضرة من شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، يضع آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره أُسسًا مهّمة في الأدب السلوكيّ، موضّحًا حقيقة المكر الإلهيّ من خلال قصص وتجارب شخصيّة عميقة.
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
8المرتبة الأولى للتأديب
فيما يتعلّق بالإنسان أيضًا، فإنّ الله تعالى يُريد أن يُؤدّبه. يُؤدّبه، يعني أنّ شخصًا قد ارتكب ذنبًا وخطأً، ويجب أن يُخرج أثرَ ذلك الذنب وأثرَ ذلك الخطأ من نفسه؛ فماذا يفعل به؟! تارةً، يُوجّه له تذكيرٌ بأنّ ما فعلته كان خطأً. وكم هو جيّد أن يُوجّه الإنسان دائمًا تذكيره لشخص ما في مكان خالٍ، لا في مكان عامّ! فلأمير المؤمنين عليه السلام رواية تقول: «النُّصْحُ بَيْنَ الْمَلَإِ تَقْرِيعٌ»؛۱ أي إنّ النصيحة في العلن هي تجريحٌ للشخص! فإذا أراد الإنسان أن ينصح، فلا ينصح أمام أحد أبدًا، بل في الخلوة والخفاء أفضل! فتارةً، يكون الأمر هكذا، فيأتي ويُؤثّر ويكون فعّالاً؛ وتارةً أخرى، يأتي، ويُؤدّبه بقسوة. والآن، فيما يتعلّق بهذا التأديب والعقوبة وأمثال ذلك، ومتى تكون، أظنّ أنّنا تحدّثنا عن ذلك سابقًا!
معنى "المكر" وكيف يخدع البشر بعضهم بعضًا
قلت إنّي سأتحدّث الليلة عن عبارة «لا تَمكُر بي في حيلَتِكَ» وما هو المقصود بها؟ المكر، بشكل عامّ، هو صفة مذمومة. المكر: يعني الوسيلة التي يُحرّف بها الإنسانُ ذهنَ أحدٍ آخر، ويفرض عليه أمرًا غير مرغوب فيه. عندما يمكر شخصٌ بآخر، فإنّه يصوّر له الأمر بطريقة يرى بها سير العمل طبيعيًّا؛ ولكن، بما أنّ هذا الشخص الماكر والمكّار يعلم بما وراء الستار ويعرف نتيجة هذا السير، فإنّه يقول: «تعال واشترِ منّي!». مثلاً، يكون الشخص نفسه عضوًا في الحكومة، ويعلم أنّ الحكومة ستُصادق غدًا أو بعد غد على مشروع قانون ستنخفض بموجبه التعرفة الجمركيّة، فترخص أسعار السيّارات، فيبيع سيّارته بسرعة ويقول: «يا سيّدي، اشترِ منّي هذه السيارة، إنّها جيّدة جدًا لك! إنّ سعرها يرتفع!»؛ وذلك المسكين الغافل عن كلّ شيء يأتي، ويشتري هذه السيّارة؛ ثمّ فجأة في اليوم التالي، يرى أنّ سعر السيارة قد انخفض مليونًا! هذا يسمّى مكرًا.
قال لي أحد الرفقاء: في اليوم الذي أُعلن فيه عن وقف إطلاق النار، رأينا فجأة أنّ قضبان الحديد قد كثرت في سوق الحديد. جاءت شاحنات مليئة بالحديد، فكانوا يبيعون هذا الحديد بسعر أقلّ بتومان أو تومانين. قالوا: لقد امتلأت مخازننا ونريد أن نبيع! فاشترى الكثيرون. استخرتُ فجاءت الاستخارة سيّئة! أي خطر ببالي أمرٌ، وقلت: لا يمكن أن يحنّ قلبه على الناس ويبيع بسعر أقلّ، هذا مضحك! يا سيّدي، اشترى الناس! وفي الساعة الثانية بعد الظهر، أُعلن عن وقف إطلاق النار. وفجأةً، ذلك الحديد الذي اشتروه بسعر أرخص بتومانين، انخفض سعره عشرين تومانًا! فصار ـ مثلاً ـ لا يُساوي شيئًا على الإطلاق! لهذا، كانوا ينقلون المصابين بالجلطات إلى المستشفى تباعًا!
- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ٢۰، ص ٣٤۱.
