
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
قصة أويس القرنيّ: لماذا منعه الله تعالى من رؤية النبيّ؟
ما هو معنى المكر الإلهيّ الوارد في الدعاء والقرآن؟ وكيف يختلف عن مكر البشر؟ ولماذا يُعدّ التفكير في الالتفاف على أوامر أولياء الله هو الوقوع في المكر الإلهيّ نفسه؟ وما هو سرّ عظمة أويس القرنيّ الذي لم يرَ النبيّ في حياته؟ في هذه المحاضرة من شرح دعاء أبي حمزة الثماليّ، يضع آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره أُسسًا مهّمة في الأدب السلوكيّ، موضّحًا حقيقة المكر الإلهيّ من خلال قصص وتجارب شخصيّة عميقة.
كيف نمكر بأنفسنا ونحن لا نشعر؟
6قصة أصحاب السيّد الحدّاد وطلبهم للدنيا
كان رفقاء الشيخ الأنصاريّ والسيّد الحدّاد مبتلين بهذا الإشكال، وكانوا يظنّون أنّ الأستاذ هو من يجلب لهم الرفاه الدنيويّ! فكان فلانٌ يأتي إلى السيّد الحدّاد ويقول: «سيّدي، صدّام يريد أن يأخذ منّا ضرائب، افعل شيئًا!»؛ وكان السيّد الحدّاد مثلاً يُعطيه دعاءً ليُعلّقه في دكّانه! فكان المأمور يأتي وينظر، ولا يرى البضاعة، فينهض ويذهب في سبيله، ولا يأخذ ضريبة! ولكن، هل هذا صحيح؟ ليس صحيحًا! كان أحدهم يأتي إلى الوالد العلاّمة ويقول: «سيّدي، إنّ أقمشتنا الصوفيّة سيفوت أوان بيعها في الصيف، وقد خسرت من قيمتها خمسة ريالات لكلّ تومان.. إنّهم لا يشترونها، ادعُ الله أن يشتروها!». حسنًا، ماذا عساهم أن يقولوا؟! وهل بيعها الآن في مصلحتك؟! هل هذا جيّد؟! وكان أحدهم يأتي إلى السيّد الحدّاد ويقول: «سيدي، طفلي أصابه عيب كذا، وواجهته مشكلة كذا، ادعُ الله أن تُحلّ!»، فكان يدعو؛ وبالفعل، كانت تُحلّ! حسنًا، إنّهم يُسايروننا! أي: إنّهم يريدون أن يُبقونا معهم!
كان هناك شخص يُؤذي السيّد الحدّاد. وفي مجلسٍ كان قد حضره السيّد الحدّاد في طهران، قال كلامًا رفيع المستوى، فبدأ أحد هؤلاء الجهّال الذين كانوا يُلازمون العالم الفلانيّ بالاعتراض وقال: «ربّما هذا غير صحيح!»، فطأطأ السيّد الحدّاد رأسه وغضب، ثمّ رفع رأسه والتفت إلى الحاضرين وقال: «في النهاية، ماذا نفعل مع هؤلاء؟! لا هم يذهبون، ولا هم يأتون، ولا هم يتركوننا وشأننا!».
خلاصة القول، إنّهم يُسايروننا؛ وبكرمهم، يتغاضون ويتسامحون. ولكن في النهاية، يجب أن يكون لدينا حياء، وعقل، وأن نفكّر قليلاً! رحم الله المرحوم السيّد الحدّاد، كان يقول: ما ينفع في السلوك هو الفكر والعقل، وأن يزداد عقلكم ويُدرك الحقيقة.. هذا ما ينفع!
وكان يقول لي: لا تنظر إلى عمل الإنسان، بل انظر كم يفهم، وما هو مقدار فهمه السلوكيّ؛ هذا هو المهمّ!
لماذا لا نستطيع فهم أجوبة الأولياء على حقيقتها؟
لهذا، فإنّ الأفراد الذين يسعون إلى حلّ مشاكلهم بالسؤال والجواب، وطرح الإشكالات والمسائل، فليعلموا أنّهم لن يصلوا إلى هدفهم المنشود أبدًا! والسبب هو أنّ الجواب الذي يُعطيه الأستاذ ليس هو الجواب كما هو حقّه أبدًا، بل هو جواب يتناسب مع خيالنا وسعتنا! فلو أراد أن يعطي الجواب كما هو حقّه، لما استطاع أحد تحمّل ذلك الجواب، ونحن أيضًا لا نستطيع الخروج من نطاق الخيال. وبالتالي، فإنّ المسائل التي يُسأل عنها تتّخذ طابعًا جزئيًّا ومؤقّتًا؛ والجزئيّ لا يوصل إلى الكلّي أبدًا! بل سيقتصر على هذا الجزئيّ وهذه الحالة، وعلى ذلك الجزئي وتلك الحالة... ولهذا، فقد رأيت بنفسي وبأمّ عينيّ وسمعت بأذني أفرادًا على هذه الشاكلة، حيث كانوا يخطئون في أحكامهم على الوالد العلاّمة! من الصعب جدًّا أن يصل الإنسان من المسائل الجزئيّة إلى الكمالات الكلّية، إلاّ إذا مارس الصحبة مع وليّ الله لدرجة أنّه أتقن تفاصيل القضية، وإلاّ فلا يُمكنه ذلك.
